الأربعاء، 9 فبراير، 2011

اضاءات:
* مشكلتنا أن الوطنية وحب الوطن أختزل في الولاء للسلطة، ومن ثم اختزلت السلطة في الولاء للأفراد.. ورُبط الولاء – جُزافاً- بالمصادقة والموافقة على كل أفعال السلطة، وهذا المفهوم القاصر ليس طارئاً بل هو امتداد للمفهوم الجاهلي للقبيلة.. حيث لا صوت يعلو على صوت المشايخ، ولا مكانة للفرد إلا كجزء من جماعة !
* من حقوقك ، وواجباتك، أن تناقش القضايا العامة بجرأة، وعادةً ما يترافق ذلك مع هجمات لاذعة، غير مستحبة ضد الحكومة والسلطة، لا تعني ذلك - ولا يجب أن تُفسر- بأنك غير موالً.. إنما تعني بأنك مواطن فاعل، مواطن حيٌ، له صوت وإرادة ، مشاركٌ لا تابع ..وليس فرداً في قبيلة . * الآن: ما هي المواطنة.. وما معنى المعارضة.. وما هي المولاة – حقا- تعرفون ؟
* المعارضون ليسوا أعداء النظام وعملاء لأعدائه.. وليسوا هنا لزعزعة الأمن والنيل من الثوابت وهيبة النظام " وهذا الكلام الممجوج الذي صار نشيدا وطنيا".. فعندما انتقد ممارساتك لا يعني ذلك إني أريد محوك وإلغاءك أو أرى بوجود بديل أفضل منك.. بل يعني إني استحثك لتتوقف عما تفعل، أو تحسن ممارساتك وقراراتك..
* المواطن الصالح يرى بأنه الوطن॥ وأنه مسئول – بشكل مباشر- عن الوطن.. لا تابع ولا كومبارس ولا .. فرد من قطيع..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في فيلم الإرهاب والكباب يتوجه عادل إمام إلى مجمع الوزارات لينهي إجراءات نقل ابنه من مدرسة لأخرى فيصطدم بالبيروقراطية ويجد نفسه فجأة متورطًا في حمل سلاح واحتجاز رهائن॥ تأتي قوات الشرطة لتحاصر المكان يتزعمهم وزير الداخلية نفسه " الذي أدى كمال الشناوي دوره ببراعة" ويبدأ في التفاوض مع البطل وعندما يسأله عن مطالبه رغبةً في لملمة الأمر يحّار هذا الأخير ويطلب " كباباً"..
هذا الإسقاط الفذّ للكاتب وحيد حامد يمكن قراءته من زاوية أن هموم المواطن – بشكل أساسي- معيشيةٌ.. وهناك زاوية أخرى أكثر عمقاً يمكن تأملها: وهي أن المواطن المحتقن ، الذي تتناهشه عشرات الهموم والرزايا، إن دقت ساعة تعبيره عن رأيه وفرض إرادته فإنه يتلعثم.. وقلما يستطيع تشخيص علّة وضعه أو التعبير عن إرادته بدقة..
****
هي مشكلة أكثر رسوخاً وانتشارا مما نظن.. فنحن شعوب خديجة الوعي لم تتبلور رؤيتها لنفسها وللآخر بعد.. لم تبلور حتى أبسط المفاهيم كالمواطنة وحدودها وكيف تُمارس.. وذلك لم يحدث صدفةً على أية حال، فالمؤسسات التعليمية والإعلامية هي من يشوش - بشكل منهجي ومنظم- مفاهيم الولاء والمواطنة.. وهما من يحرص على تحريف مفهوم المعارضة ليكون غائماً ومخجلاً لخلق فجوة في وعي الناس تمكن السلطة من السيادة دون منغصات..
فالصراع الأزلي بين السلطة والشعوب على المكاسب والنفوذ " وهو صراع فطري مشروع موجودة في ارسخ الديمقراطيات" حُسم في مجتمعاتنا مبكراً عندما اُختزلت الوطنية وحب الوطن في الولاء للسلطة ، واختزلت السلطة في الولاء للأفراد.. ورُبط الولاء – جُزافاً- بالمصادقة والموافقة على كل رغبات وأفعال السلطة.. وهذا المفهوم القاصر ليس طارئاً بل هو منحدر من المفهوم الجاهلي القبيلة.. حيث لا صوت يعلو على صوت المشايخ ، ولا مكانة للفرد إلا كجزء من قطيع، ينسجم بمقدار ما يذعن للإرادة العامة ويستحق مكتسباته بمقدار ما يذوب في الجماعة .. !
الخبر التعيس هنا أننا لسنا قبيلة ، ومجتمعنا أكثر تعقيداً من أن يُدار بفكر القبلية، ونحن لا نعيش في خيام ولا نستخدم الجمال ولا نستطيع أن نفصل أنفسنا عن لغة العصر.. نحن دول عصرية نتمظهر بمظهر ديمقراطي وبالتالي يجب أن نرقى لما ندعيه.. الولاء هو ولاء للدولة، ولأفراد ورموز بقدر ما يخدم هؤلاء الدولة، والتجاذب والصراع على المصالح في الدول العصرية يحسمه التوافق المجتمعي - لا الإرادة الفوقية- مناقشة القضايا العامة دون كبت هو جزء من حقوق المواطن، ومن واجباته أيضاً، وعادةً ما يترافق ذلك مع هجمات لاذعة، غير مستحبة ضد الحكومة والسلطة، ولكن ذلك لا يعني، ولا يجب أن يُفسر بأي حال انك لست بموال إنما يعني ذلك بأنك مواطن فاعل، مواطن حيٌ له صوت ورأي وإرادة ، مشاركٌ لا تابع ..وليس حتماً فرداً في قبيلة .
****
الآن: ما هي المواطنة.. وما هي المعارضة.. وما هي المولاة؟
لنبدأ بمفهوم المعارضة الذي هو بلا ريب أكثر المفاهيم التي تعرضت للتدمير. فالمعارضة وفقاً للفهم الشعبي هي مناوئة ومشاكسة النظام في كل خطواته.وهناك مستوى أخطر لمفهوم المعارضة مزروع في الوعي الثاوي وهو أن المعارضين هم أعداء النظام وعملاء لأعدائه ! وبالتالي فهم ينتهجون كل طريق للوصول للسلطة وإسقاط النظام أو إحراجه أو تقليل هيبته على الأقل.. هذا بالطبع تشويه لمفهوم قامت عليه نهضة الدول بدأ بتحريف الكلمة ذاتها.. فمفردة "المعارضة" هي ترجمة غير دقيقة لكلمة ((opposition وترجمتها الحرفية هي " المقابلون أو الموازون"..لذا فالمفهوم الدقيق - لما أصطلح عليه عربيا بالمعارضة- أنهم قوى مجتمعية تقدم برامج ورؤى مغايرة ومقابلة لبرامج سياسية قائمة. فالمعارضون ليس هنا لزعزعة الأمن والنيل من الثوابت والمكتسبات وهيبة النظام " وهذا الكلام الممجوج الذي صار نشيدا وطنيا" بل هم موجودون لأنهم يعشقون بلادهم ولديهم تطلعات لغد أفضل. في الدول المتحضرة تلعب الصحف والقوى الوطنية وجماعات الضغط دور ما نسميه معارضة هنا.. لا لأنهم هدامون عادون بل هم لأنهم موالون وموالون جداً ووطنيون ووطنيون جدا.. وفي الجهة المقابلة مفهوم الموالاة نفسه غائم وملتبس أيضاً, صاغه هنا للأسف المرتزقة والمنتفعون والوصوليون والمكتسبون الذين يدّعون حب البلاد والدفاع عن النظام في حين إنهم يدافعون عن مكاسبهم الشخصية وامتيازاتهم " مثال عابر: عندما يقرر أحدهم تجنيد قلمه لتمجيد السلطة وشخوصها والأطناب في تنزيههم وإسقاط منتقديهم من سيكون المستفيد يا ترى.. هو أم الشعب ؟!".. في عودة لمفهوم المواطن الموالي نقول أن الموالي " للوطن" لا يقبل بالاعوجاج، ويريد الأفضل والأتم والأصلح لبلاده ، ولا علاقة لذلك بعداء شخوص السلطة بالمناسبة " وهو مفهوم أضافي ملتبس" فعندما انتقد تصرفاتك وممارساتك لا يعني إنني أريد محوك وإلغاءك من المشهد ولا يعني ذلك بأني أخطط أو أرى بوجود بديل أفضل منك.. بل يعني إني استحثك لتتوقف عما تفعل، أو تحسن ممارساتك أو تنتبه لمغبة بعض قراراتك.. كل المواطنين يحبون قيادتهم ولا يريدون عنها بديلا، ولكن حبهم ذاك لا يجب أن يترجم بالخنوع والسلبية والحياة كرعايا لا كمواطنين !
****
مشكلتنا الأم أننا مولعون باختراع العجلة..!!
فنحن نعيش اليوم ذات المرحلة التي عاشها الغرب في 1735 !! المواطن الصالح هو المواطن الوديع، أما المواطن اللجوج المشكك في نزاهة وموثوقية المسئولين فهو خائن وتنتظره قائمة من التهم كالتحريض وإثارة الفتنة والخيانة والهرطقة !!
لقد وصل العالم اليوم ، بعد تاريخ ممتد من التجربة والخطأ والصراعات الدموية لصيغة مقبولة للمواطنة.. وليس من المعقول أن نأتي اليوم ،وقد استقرت المفاهيم وتبلورت، لنبدأ من الصفر ونخترع العجلة والناس تقود سيارات ومركبات فضائية..!
المواطنة تعني الفاعلية، لا أن تكون إمعّه.. المواطن الصالح هناك يستنهض التغيير ويحارب القيم الفاسدة وينتفض لانتهاك حرمات العدل والحرية والمساواة وإن لم يكن هو الضحية لعلمه – بالفطرة- أن الدور سيأتيه إن قبل بظلم غيره.. فالمواطن الصالح لا ينظر لمصلحته فقط - بل ينظر لمصلحة حتى الأجيال التي تليه- يستنطق الحقيقة ويتعامل على انه الوطن وأنة مسئول – بشكل مباشر- عن الوطن.. لا تابع ولا كومبارس ولا .. فرد من قطيع..
والله من وراء القصد

الأربعاء، 2 فبراير، 2011

عندما خرج الشباب المصري يهتف :
" يا جمال قل لأبوك ... شعب مصر بيكرهوك "
خرج فخامة الرئيس حسني مبارك ليقيل الحكومة.. ويبرهن أن الحكام على العرش لا يسمعون إلا رجع أصواتهم ولا يرون الأبعاد الحقيقة للمشاهد..!!
وعندما هتف الشعب :
" يا سوزان قولي للبيه .. ربع قرن كفاية عليه "
أرسل النظام " بلطجيته" المجرمين للشوارع ليشيعوا الفوضى، وأغرق الإعلام "ببلطجيته" المفوهين ليشوهوا وجه الثوار ويشيروا بأصابع الاتهام لجماعات " تستهدف زعزعة امن واستقرار مصر" مبرهناً – مجدداً- أن الأنظمة العربية ، من فرط ما تكذب، تصدق كذباتها وتؤمن بها بعد حين ..!!
****
لا يمكن لأحد أن يفكر ويكتب اليوم إلا في الثورة المصرية التي تأخرت طويلاً.. ولا يستطيع الأحرار في كل مكان إلا أن يحلموا برؤية طيارة "الرئيس" تشق عباب السماء لتهبط في أي أرض إلا أرض الكنانة التي تقيئته وضاقت بحكمه الذي بدا سرمدياً.. حول مصر من أم الدنيا لأم المقهورين.. ومن من مهد للعروبة لعميلة إسرائيلية بغيّة "وفي تباكي نتنياهو الاثنين خير دليل".. ومن العجائب أنه - حتى وجوه المصريين- تبدلت في عهده: من هيئة كمال الشناوي لنموذج اللمبي.. ومن الحُسن البرئ لشادية وفاتن حمامة للمظهر اللعوب الشقي لغادة عبد الرازق وسمية الخشاب !!
تدهور الدخل، وصعوبة المعيشة حول الفساد لأسلوب حياة. فأنقلب الشعب من شعب مبادئ لشعب "فهلوي".. شعب تتجاذبه الأفكار ولا تجذبه.. شعب لديه كلام كثير ولكنه أكثر انهزاماً من أن يكلله بفعل .. فعندما تجوع شعباً وتسحق كرامته وتمنحه راتباً لا يكفي لشراء حذاء لائق في سوق مستعر الغلاء.. فإنك تدفعه – دفعاً- للرشوة والسرقة والعهر والإحتيال.. وتحول الرقي والاستقامة والمبادئ وعزة النفس.. لرفاهيةً لا تصلح إلا للأثرياء !!
****
" يهمني أن يبقى الثوار منتصبين ، يملئون الأرض ضجيجا ، كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسين والمظلومين "
تشي جيفارا
كثيرون اليوم يتحفوننا بمواقفهم المائعة تجاه الثورة المصرية.. فالجبناء والخونة ينتظرون دوماً المنتصر ليصفوا معه وهم يبتهلون أن يكون نظام حسني مبارك رغم مخازيه - لا حباً في الرجل- إنما خوفاً من المرحلة القادمة من عمر الأمة.. المرحلة التي تهتز هيبة أصنام الأنظمة القمعية وتسقط معها امتيازات زبانيته وأذنابه.. فالمتمصلحين من موائد الجلادين ومساحي الجوخ يعون أنهم أول من المتضررين ما أن يعتدل الهرم المقلوب..
السؤال الذي يقلق بالطبع كل حرّ غيور هو : وماذا عن الفوضى التي ستعقب سقوط تلك الأنظمة..؟
والحق أن العبور لدولة المؤسسات والقانون لن يكون سهلاً ولن يكون مجانياً.. سيما أن الأنظمة المستأسدة حريصة على إشاعة الفوضى والسلب والنهب وتضخيم حجم التخريب والفلتان.. كما أن العقود الممتدة من الكبت والقهر خلقت فئات متطرفة منظمة القوى/ متخبطة الرؤى والمبادئ.. ستطل برأسها لا شك وستسعى للاستحواذ على السلطة للتأكد من أنها لن تُهمش وتضطهد مجدداً.. لذا فالتحدي اليوم هو المراهنة على دساتير جديدة تقلص مدة الحكم وتمنع ترشح أي رئيس عربي لأكثر من ولايتين "بأربع سنوات لكل منهما" حتى إن أخطأ الشعب في انتخاب رئيسه أو حزبه- لا يضطر للتعايش مع خطأه هذا للأبد .. !
****
اننا كأشقاء عرب.. واجبٌ علينا كأشقاء عرب.. أن نرفع عقيرتنا لتأييد إنتفاضة الشعب المصري الأبي ودعم إرادته وحقه في الحياة التي يريد.. وعلينا أن ندين قمع الشعب المصري وتشويه صورته وغضّ الطرف عن معاناته الممتدة.. وعلى الحكومات العربية أن تدعم هي - أيضا- خيارات الشعوب وتأخذ بيدها وتبادر لتوقي المصير ذاته..
وليعلم الجميع أن الغضب قادم.. في الأسابيع الماضية أضرم أربعيني النار بنفسه في نواكشوط تعبيرا عن "استيائه من الوضع السياسي في البلاد وعن غضبه من النظام الحاكم" . وتواجه الجزائريون مراراً مع رجال الأمن بعد أن ألهمهم الشعب التونسي.. في ليبيا والأردن سارعت الحكومات بتقديم حزمة إجراءات لامتصاص غضب الشارع الذي بعد يصّف نفسه..هناك إرهاصات غليان شعبي في موريتانيا، وسمعنا عن خروج مئات المواطنين العُمانيين – لأول مرة- في مسيرة تطالب بوظائف للعاطلين وزيادة الرواتب ومراقبة الأسعار.. والبقية ستأتي .. فعصر "حكم الشعوب" قادم ..وزمان المخابرات والقمع وقوانين الطوارئ وأمن الدولة يحتضر..وعصر تخوين المثقفين والوطنيين وتمجيد الدجالين والتنابل والمتسلقين في أفول.. وصمت الشعوب تجاه الأموال المنهوبة والحقوق المسلوبة لن يطول..
فالأمس للطغاة.. والغد للثوار..

الأربعاء، 26 يناير، 2011


يضحكني البحرينيون أحياناً بهرطقاتهم الغريبة، لا ضحكات "هاها" كتلك التي تطلقها عند مشاهدة أحمد حلمي، بل أقرب لـ"هه هه" على شاكلته تلك التي تفلتُ منك وأنت تسمع سياسيي لبنان..!!
مؤخراً مثلاً؛ ألح عليّ القراء للتعليق على الألف دينار التي أسبغها أمير الكويت على رعيته قبل أيام لتشمل العجوز المسجى في غيبوبة والرضيع الذي لم يُلقح بتطعيمه الأول بعد.. ولأوجز عليكم، وأيقظكم في الوقت عينه من عالم الأساطير والخرافات التي ترفلون بها ، سأنقل لكم حواراً دار بيني وبين أسرة صادفتني وأنا عكّرةُ المزاج فنالت مني ما تستحق..!
سألني رب الأسرة مفتتحاً : سمعتي عن معونة الكويتيين أستاذة ؟
· أولا لا تسمى معونة، المعونة هي ما يُعطى للبحرينيين بمظلة الإحسان والصدقة.. هم حصلوا على منحة/ هدية من أميرهم الذي يُريد أن يحتفل معهم ويشتري ودهم ويسعدهم.. مالكم أنتم بهم..؟ ألا تعرفون أن من راقب الناس مات هماً !!- الله يزيدهم والله ما نحسدهم – قال مستدركاً- ولكني كأب لخمسة ويعيل والدته أيضاً لا املك إلا أن أتحسر وأفكر إني لو كنت كويتياً لحصلت على 8 آلاف دينار دفعة واحدة..الحالة " كسيفة " يا أستاذة وراتبي 320 وإيجار البيت 170 والبنك يأخذ 45 قرض و...

قاطعته قبل أن يُكمل :
· يعني الـ8 آلاف التي تتحدث عنها هاهنا هي إجمالي راتبك لـ25 عاماً - ربع قرن تامً يعني- ماذا سيصيبك إذن ما أن تسمع الخبر ؟
أطرق لثوانً وقال : بموت من " الوناسة" طبعا ..
· ها قد نطقت بالحق على نفسك॥ ستموت॥ من الفرحة/ من الغم ولكنك بالنتيجة ستموت.. سيرتفع ضغط الدم في شرايينك المتهالكة أصلا من الهموم وأكل القيمة من بونواس وسندويشات الكبدة من مشتان وستصاب بأزمة قلبية وستموت.. يرضيك تيتم الأولاد وترمل أمهم.. أتق الله يا أخي " قلتها بتهدّ كدعاة الأزهر ".. - يتيتمون وعندهم آلاف ومعاش تقاعدي صافي لهم.. يوفرون أكلي وأرتاح من طلباتهم التي لا أستطيع توفيرها.. أمثالي سيان عندهم الحياة والممات في هذه الدنيا الكئيبة .. ( قال كلماته تلك وإذ بلحن الشهد والدموع يرّن في مخيلتي كموسيقى تصويرية !!) · إلا تحصل على علاوة الغلاء – سألته.. فأجاب :- علاوة المهانة تعنين، 50 دينار تُصرف حيناً وتنقطع حياناً ويذلوننا لإثبات فقرنا واستحقاقنا لها كل حين بالوثائق والمستندات ! · وصلنا خير- قلت له معقبةً- فلنفرض جدلاً أنك صمدت ولم تسّلم الروح لحظة سماعك بالمكرمة..هل تملك الجلّد والصحة للمضي في إجراءات استلام المبلغ ؟ لا تقل أنك تحلم أن تنزل المكرمة في حسابكم تلقائيا فحتى الحلم له أصول يا حجي.. تحلم بسيارة كامري مكيفة معقول تحلم " بميباخ " زودتها.. الـ50 ديناراً ولا زلتم تعانون لتوفير ما تتطلبه من مستندات.. فماذا لو كانت ألف ؟ سيشترطون عليكم مع الطلب فحص دم ونتيجة الحمض النووي الـDNA وأشعة مقطعية للتحقق من هويتك وأنك لن تستلم المكرمة مرتين.. ناهيك عن أنهم سينبرون في ماضيك لتحسس أي إشارات تّمرد عندك: شاركت بمسيرة يوما أو ندوة معارضة مثلاً أو طولت لسانك وتجاوزت حدودك.. فلا تظنن يا عزيزي أن منحة كهذه ستنزل للجميع.. يجب أن تذهب لأناس دون غيرهم " هذه هي فلسفة المكارم لدينا" وراجع كل المكارم السابقة لتتيقن مما أزعم.. - صفن ثم قال : بالفعل شاركت مرة في مسيرة يوم القدس بعد صلاة الجمعة.. محسوبة ؟! · طبعا محسوبة.. لا من زاوية أنك معارض بالضرورة، بل من جهة أنك مشاغب وفوضوي..! - ولكنهم في الكويت يفعلون أضعاف ذلك ؟ · في الكويت عندما يتواجه الشعب مع قوات الأمن يُلام قياديو الأمن لأنهم لم يحسنوا احتواء الموقف.. عندما يخرج سياسيون ليطالبوا بالاحتكام للدستور ويتواجهون مع كبار العائلة الحاكمة يوصفون بأنهم وطنيون غياري.. عندما يتم تقديم رئيس الوزراء للاستجواب مرة بعد مرة تُسمى ديمقراطية..وعندما تكون للصحافة أنياب ومخالب تُسمى مسئولية.. أما هنا فصاحب كل رأي مخالف هو معارض وعميل للخارج " ومو متربي بعد "..!تطفلت على حوارنا زوجته لتقول :

- قلتلك يا بوخالد لا تروح ما طعتني..! بس أستاذة والله خاطرنا أحنا واليهال في هالمكرمة ؟· جننتي حتماً – قلتُ مخاطبةً أياها- أنت أول المتضررين لعلمك فأول ما سيفعله زوجك ما أن يحتكم على مبلغ كهذا هو الزواج عليك - أو في أفضل الظروف- سيقرر السفر لتايلاند لاختبار الحياة التي سمع عنها ولم يرها يوماً..!! أليست لديك فكره عن اللوثة التي تصيب الرجال عندما يهبط عليهم المال منتصف العمر..؟ لمعلوماتكم كل هذا مدروس وله حساباته عند القيادة الرشيدة، فبقاء زوجك معدماً محروماً هو ضمانه لبقائه مخلصاً لك ولبيته مدى العمر !! أرتبك الزوج هنا فغير الموضوع قائلاً:
- زين.. لا نريد "كاش" نريد سكنا، إنا مواطن أنتظر بيتاً من 17 عاماً "والقهر مجنس معاي عطوه" ..ثم أين هي الأرض لكل مواطن التي سمعنا عنها ؟ - لا "تفاول" على نفسك يا رجل – قلت- الأرض المقصودة هي أرض القبر وأنت ما زالت في عزك.. أشكر النعمة ولا تحملق بغيرك.. هل تعرف أن الناس في أوروبا وفي كمصر وليبيا مثلاً يشترون المدافن.! يعني تصلي ركعتي شكر أنك ستحصل على قبر " ببلاش" وستستفرد فيه لوحدك دون منغصات لـ 15 عاماً على الأقل..- 15.. ليش ؟ تسائل مذعوراً ..· لدينا أزمة قبور يا عزيزي ولا تتصنع الجهل.. في بعض المدافن يضطر أهل الميت للبحث لساعتين عن موطأ لدفن فقيدهم وسيستفحل الأمر الآن وقد جاوزنا – بفعل فاعل- المليون نسمة.. ولماذا الأنانية –قرعته قائلةً - بتأخذ القبر لنفسك للأبد يعني..!! ثم احمد ربك وابعث رسالة شكر للأخوة في تونس.. رفع الدعم عن البترول والأغذية عُلق حالياً " ولو أني أعتقد أن مواله سيعود بأقرب مما نظن".. موضوع رسوم الصرف الصحي ستُقصر على الشركات الآن وستمهلكم قليلاً.. لا أحد يحاسبكم على استخدام الشوارع وأنتم " تشوطون" فيها رواحاً وإيابا بسيارتكم الألتيما موديل 1972.. - أستاذة سيارتي داتسون موديل 84 ..· .. فيها مكيف ؟- لا والله..· إذن لا تقاطعني..! ولا احد يحاسبكم على المدارس والمستشفيات.. ثم أنه لا داعي للتباكي ليل نهار يكفيكم ما تنعمون به من وسائل "ترفيه".. هل جاءت الكويت – قط- بمغنية غير معروفة ودفعت لها 121 ألف دينار فقط ولطاقمها 36 ألف لتمتعهم بغنائها دون تذاكر..! هل أنشئت مشروعا كالفوروميلا وتكبدت خسائر سنوية تفوق الـ 86.8 مليون دينار لبهجة المواطنين فقط.. هل أقامت حفلا وطنيا بـ3 مليون للترويح عنهم كما يحصل في البحرين.؟- والله ما رحنا أختي قط شيء من هذا ! · غلطتكم.. ثم أن البذخ يفسد الأخلاق السوية والقيادة تُريدكم خلوقين.. وتخاف عليكم حسد الجيران إن ما غرقتم في الأموال فأحمدو ربكم.. - الحمد الله.. · واطلبوا الجنة والدار الآخرة.. - آمين يا رب العالمين.. يعني " نمش بوزنا" أستاذة ما في مكرمة في الطريق؟ · بلى أبشروا..سمعت عن واحدة في الطريق لتوزيع " شدّة كلينكس" لكل مواطن ليمسح فيها دموعه.. !

الأربعاء، 19 يناير، 2011

منذ سقوط نظام بن علي والجدل يتمحور حول إمكانية انتقال عدوى الثورة ورياح الغضب لباقي العواصم الشقيقة.. فالأنظمة العربية بدأت منذ اليوم الأول ، عبر أزلامها وإعلامها وأذنابها ، في الترويج لأن ما حدث في تونس " حالة معزولة" وظاهرةٌ " استثنائية في سماء المنطقة" وتمادى الخبثاء في وصف النظام التونسي بأنه " فريدٌ في قمعه وفساده وعنجهيته" بغية الدفاع عن أنظمتهم ولسان حالهم يردد " لسنا مثل تونس" وكأنها يدرؤون تهمة توجسهم..!
والحقيقة إنهم – فعلا- ليسوا مثل تونس بل أسوأ منها، فمتوسط دخل الفرد في تونس 8300 دولار وهي تتقدم بذلك على 13 دولة عربية في مستوى الدخل الفردي، كما أن تونس حققت من منجزات على مستوى التعليم والتأمين الصحي، البطالة والأمية والتنمية وتحسين مستوى المعيشة، ما لم تحققه جُل الدول العربية التي تشهد تراجعا مستمرا في حقول خدماتها الـأساسية وتوسعاً في طبقة المهمشين والمحرومين بوجود 89 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر .. ولكن القمع والطبقية والفساد واستغلال مقدرات الشعب والتمييز لصالح أسر معينة والاستخفاف بكرامة المواطن هو ما أفاض الكأس وعجل نهاية النظام الذي لم يكن - ومسئولهٌ أنا عما أقول- الأسوأ في الوطن العربي "ولا حتى ضمن أسوء 5 نظم" وإن كان ثاني الراحلين بعد نظام صدام ونبتهل لله أن لا يكون آخرهم !!
دروسٌ مهمة تكتنز بها الثورة نتمنى أن تستوعبها الأنظمة العربية بالطيب، قبل أن تُلقاها بالقوة..:
أولها : أن دول الغرب برغماتية في علاقتها، " أنت ولدنا وحبيبنا " ما دمت ذا نفع، وما أن تنتهي صلاحيتك فمكانك مزبلة التاريخ لا قصورنا ومنتجعاتنا. والدول الرأسمالية في ذلك أشبه ما تكون بالمرأة اللعوب، تُفيض عليك بالحنان دامك تُفيض عليها بالمصلحة، فإن انقطعت المصلحة تبددت العاطفة في ثوانً.. والأنظمة العربية ليست بأفضل حال بالمناسبة، قد تحتضنك من قبيل الشيمة وقد تمط الشفاه عليك حسرة أو تنصفك " بكلمتين" كما فعل القذافي العقيد الثائر الذي يكره الثوار، ولكنك لن تحصل على أكثر من ذلك.. فالمتدثر بالدول العظمى عارً والمستقوي بالتحالفات الخارجية واهم، ولم يحدث عبر التاريخ ما يثبت العكس .. !
ثانيهما : طوال عقدين من الزمن ، باع النظام التونسي الوهم للعالم، صرف ملايين الملايين لتلميع صورته ودرء التهم عنه وأشترى – حرفياً- سمعته الطيبة في في المحافل الدولية ولكن.. ما أن حصحص الحق.. حتى اكتشفوا أن كل هذا غير مهم ولم يطل عمر النظام يوماً واحداً عندما أستعر غضب الشعب. وهو درس الدروس للأنظمة العربية :
كفاكم لهاثاً وراء اعتراف العالم فرأي شعوبكم هو المهم.. رضا شعوبكم هو الباقي.. ولا شيء غيره ولا سواه..
ثالثاً : التونسيون انتفضوا لكرامة التونسيين ، لم يكن كل من في الشوارع عاطلين كما أرادت بعض وسائل الإعلام أن تقول مطلع الأزمة، كثير منهم أرباب مهن محترمة ولكن صفعة العزيزي فجرت الكرامة في كل تونسي رأى الظلم في نفسه، وهي رسالة للشعوب هذه المرة: أن عليها أن تتكاتف وتتصرف ككتلة واحدة. فالظلم الذي يحرق بيت جارك سيطال دارك، ووحدها الشعوب التي تدرك ذلك تكون ذات ثقل وهيبة ..
رابعاً : نفوذ أسر معينة - دون وجه حق- يستفز الشعب، البذخ الأسطوري الذي يعيش فيه مسئولي الدولة يستفز الشعب، تزايد ثروات الأمناء على الأموال العامة يستفز الشعب.. والشعب ليس بأعمى وإن تعامى، وتلحظون اليوم كيف أن تبرم التونسيين ولعنهم لعائلتي الطرابلسي والماطيري يفوق تبرهم على حاكمهم نفسه .. !
خامساً: كشفت الأحداث الأخيرة كم هو أعلامنا العربي منافقٌ بشكل مبتذل ! قبل يوم من سقوط نظام بن علي كانت النبرة حول الأحداث خجولةٌ وكانت المقالات والافتتاحيات تدعو لضبط النفس وتجاوز الأزمة وكانت القنوات تحجب حق كل معارض تونسي في الظهور.. بعد ساعة من سقوط النظام صار الإعلام يجوس في خصوصيات العائلة الحاكمة وفتح منابره للمعارضين مستبيحاً ما كان من الكبائر قبل ساعة !! ما يدل على أن إعلامنا حرباء تتلون وفقاً للمصالح لا القناعات.. وهم على دين الغالب وضد المغلوب، أياً كان الظالم منهم أو المظلوم !!
سادساً: في خطابه الأخير ، بعد أن خرج مع بدء الثورة يتوعد ويهدد " الإرهابيين" ويتهم جهات خارجية بدعمهم متنكراً – ومُنكراً- لأخطائه وآثام نظامه.. طلع بن علي على الناس بعد أن ارتفع الماء وأوشك فرعون على الغرق ليعلن التوبة ويذرف الدموع ويقول " لقد ضللوني " " سأحاسب من خدعوني.. أنا فهمتكم وفهمت المجتمع" بعد أن كان الأوان قد فات.. !
كثيرون وصفوا دموعه بدموع التماسيح ولكني لا أشاطرهم الرأي.. فالحاشية – بالفعل- تضلل الحكام وترمى غشاوة على أعينهم لذا قيل " أن الحاشية إن صلُحت صلح الحاكم وإن فسدت فسّد وضاعت الرعية" ليس عذرا بالطبع له ولغيره ولكنه درسٌ ثمين للقيادات التي تعول على حاشيتها وتقرأ وترى بعيونهم.. افتحوا أعينكم على اتساعها ولا تستعملوا الأفاكين والـ" جمبازية" ولا تثقوا بالمتسلقين والمرتزقة فهؤلاء لن ينقذوكم.. ولا تقمعوا المعارضين والإعلام الحر بدعوى أنهم يعملون على النيل منكم ومن منجزاتكم لأنهم من يساعدكم على فهم تطلعات الناس وإصلاح ما هو مخّتل ومعّوج.. لئلا تبكوا بعد فوات الأوان وتقولوا " ضللونا".. !
سابعاً : العصر اليوم هو عصر الشعوب، على الحكومات العربية ان تفهم ذلك ، الشعب هو سيد قراره وهو من يُعمل حكوماته على إدارته وهو من يعزلهم، يجب إعادة بناء التحالف المدني، وعلى الأنظمة أن تصالح شعبها وتكف عن استعباده واستفزازه.. الشعب ينتقل من حالة عدم الرضا للتململ .. ومن التململ للسخط.. ومن السخط للثورة. قد يستغرق ذلك عقود، سنين أو مجرد أسابيع، واقرؤوا التراث الإنساني لتروا كيف يعيد التاريخ نفسه مرة بعد مرة ..
ختاماً : أما الرسالة الأهم للأنظمة العربية هي: إياكم والظلم .. إياكم والظلم
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً..
فالظلم يفضي أخراه إلى الندم..
تنام عيناك والمظلوم منتبه..
يدعو عليك.. وعين الله لا تنم..
الشعب لا يريد أن ينازعكم الكرسي ولا الحكم ولا يريد طائراتكم ولا قصوركم ولا رقابكم.. يريد عملاً وسكناً وعيشة كريمة وتطبيب لائق وبعضاً من الاحترام ..
وتذكروا أن الله ينصر دولة العدل وإن كانت كافرة.. على دولة الإسلام إن كانت ظالمة
والله من وراء القصد
----------
هامش : الله غالب " لزمة " يكررها عرب المغرب العربي دوماً كترديدنا في الخليج " الله كريم" وكم هي مفارقة ان تخدم سياق الحدث تماماً هذه المرة ..!!

الأربعاء، 12 يناير، 2011

تراه يصدح ( بص شوف "خرز البقر" بيعمل ايه ) ليروج للوهم والأماني.. ولكن مكونات خلطته التي يصف ويتّواصف فيها تكذّبه مرّة بعد مرة.. وتبقى النتيجة هي البرهان لا وعود الحاوي ولا أماني الفلاحين..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلنا لهم بملأ الفم أن رفع كلفة الوظائف الهامشية ، التي لا يريدها البحرينيون أساساً، ستضرّ ولن تنفع فالضرائب ليست " دواء لكل داء" فقيل لنا.. أننا لا نفهم !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
94% من الوظائف ذهبت للأجانب متخطيا نسبة العام الماضي البالغة 81%.. و98 % من الوظائف ذات الأجور العالية ذهبت للأجانب.. فأي صفعة مدوية نحتاج أكبر من تلك لندرك أننا نسير في الاتجاه الخاطئ ؟!ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحدهم الأجانب من استفادوا من هذا المشروع الفّذ.. على الأرض كلكم يلاحظ أن عددهم زاد ومستوياتهم المادية تحسنت.. ولا تكاد عين فاحصةً تغفل كثافة تواجدهم ومظاهر العز التي بدت مقارنة بسنوات قليلة مضت..!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الشخصيات الكلاسيكية في الأفلام المصرية القديمة شخصية الحاوي الذي يتموضع في أطراف الأحياء الشعبية ويصدح ( بص شوف "خرز البقر" بيعمل ايه ) مروجاً لقناني زيتً وعشبً ممزوجة بالوعود والوهم والأماني.. تقصدهُ المرأة باكيةً تأخر الإنجاب فيصف لها " بوشنفاف" الذي سيفك عوقها ويقصده درويش شاكياً مشاكله المعوية فيعطيه الزيت ذاته كما ويصفه - أيضاً- لمن تريد فكّ السحر ومن يزعجها تساقط الشعر..!! بضاعة هذا الحاوي لا تكسّد، وتحظى برّواج سيما بين الريفيين البسطاء الذين يغرهم صفصف الكلّم.. وعادةً مالا يطيل الحاوي البقاء في حي طويلاً فيرتّحل من زقاق لآخر حاملاً في قنانيه وعوده التي لا يفيها.. فمكونات خلطته التي يصف ويتّواصف فيها تُكذّبه مرّة بعد مرة وتصدق معه – صدفةً- مرة ما يجعله جزعاً من سخط المشترين.. فالنتيجة تبقى هي البرهان لا وعود الحاوي ولا أماني الفلاحين.. ****قبل أن ينتصف العام 2005 أُطلق مجلس التنمية مشروع إصلاح سوق العمل ليفرض ضرائب على العمالة الوافدة يتكبدها القطاع التجاري؛ يومها قيل لمن تذمر " كله على شأنكم، ورأسكم الغالي على شأنكم، سترتفع كلفة العمالة الأجنبية الرخيصة وسيصبح المواطن هو الخيار المفضل".. بحت أصواتنا – حرفيا- عندها ونحن نقول أن إصلاح السوق لا يكون بالرسوم، وأن إجراءات كهذه لن تكون فاعلةً ضمن المشهد الحالي فقيل لنا أن " تنافسية المواطن ستزيد وسترتفع الأجور وسترون".. عبثاً حاولنا إقناعهم بأن رفع كلفة الوظائف الهامشية ، التي لا يريدها البحرينيون أساساً، ستضرّ ولن تنفع ومن الواجب التركيز على الوظائف المجزية فقط أما اعتبار الضرائب " دواء لكل داء" فسيخلق وضعاً أكثر اختلالا وتعقيداً من سابقه، فأخذوا يشيعون بأن من يحارب المشروع وأقتبس " يفكر في مصالح شخصية ولا يملك مسئولية اجتماعية" قلنا لهم بملأ الفم أن المستهلك ، والمستهلك وحده، من سيتحمل فاتورة تلك الضرائب فقيل لنا.. أننا لا نفهم !!قريباً سيتم المشروع عامه السادس، وهاهي الأرقام المصرح بها رسمياً تنطقُ عن نفسها : حقق الوجود الأجنبي قفزات غير مسبوقة وشهدت الفترة من 31 مارس 2008 وحتى 31 مارس 2009 أعلى مستوى توظيف للعمالة الأجنبية بتوظيف 71 ألف عامل أجنبي جديد وواصلت الوتيرة ارتفاعها في الربع الأول من العام 2010 بذهاب 94 % من الإجمالي الكلي للوظائف البالغ 7970 للأجانب متخطيا نسبة العام الماضي البالغة 81% !
98% من الوظائف ذات الأجور العالية " التي تتجاوز الألف دينار" ذهبت للأجانب.. وتقلص نصيب المواطنين من 21% لـ2% خلال عام فقط !! · البحرنة تراجعت لمستوياتها الدنيا بانخفاضها لما دون الحد الأدنى لتصل لـ23.9% من مجموع العمالة في البلاد.
فأي صفعة مدوية أكبر من هذه نحتاج لندرك أننا نسير في الاتجاه الخاطئ ؟!وحدهم الأجانب من استفادوا من هذا المشروع الفّذ.. على الأرض كلكم يلاحظ أن عددهم زاد ومستوياتهم المادية تحسنت.. تراهم في سيارات جديدة – لا كسواق- بل كملاك ولا تكاد عين فاحصةً تغفل كثافة تواجدهم في الأماكن الترفيهية والمطاعم الفاخرة مقارنة بسنوات قليلة مضت.. في المقابل سرحت بنوكٌ وشركات حكومية وخاصة البحرينيين بالجملة واستبدلتهم بأجانب على مرأى ومسمع الجميع ولم يستطع أحد إيقاف مسلسل اختطاف الوظائف المجزية من المواطنين ، فماداموا قادرين على انتزاع وظائف سواقين وبائعي تجزئة ونجارين ومقدمي أطعمه من أرباب العمل فما المشكلة دامت الوظائف متاحة، ودامت الشركات تدفع 10 دنانير كرسوم عن مدير يتقاضى 4 آلاف دينار ومثلها عن عامل يتقاضى 80 دينار !! ما المشكلة في إن يكون الأجنبي مديراً والبحريني هو موظف الاستقبال ؟ في ميزان الحاوي كل شيء " ماشي" !!****مشروع إصلاح سوق العمل مُني حتى اليوم بخيبات لا تحصى ولم يقترب من أهدافه بل جرّ السوق لركود غريب وصار مصداقاً للمثل الشعبي القائل " ما رضت برجلها ولا خذت سيد علي" فهم لم ينفعوا المواطن العادي وضربوا التاجر الصغير في مقتل وكلنا يقرأ عن احتجاجات التجار واعتصاماتهم المتكررة التي كان آخرها أمس الأول عندما فرقت قوات الأمن مجموعة من أصحاب الأعمال لجأوا لبيع قناني الماء أمام مؤتمر تمكين رجال الأعمال تعبيراً عن تضررهم من الرسوم والضرائب وبالطبع لا يسمع لهم أحد وكأنهم – وعائلاتهم- ليسوا مواطنين يستحقون أن ينصفوا..! لا تأخذكم العزة بالإثم واعترفوا بالخلل لتصلحوه. ثلث سكان البحرين هم دون الـ15 عاماً وقريباً سيدخلون سوق عمل لا يريد الواحد فيه أن يكون تاجرا ولا موظفاً. أصلحوا مشروع إصلاح سوق العمل – نقول- ولا عيب في أن يعيد المرء النظر في تجاربه ولكن العيب أن يستمر.. وهو يرى أن عربته قد حادت وخرجت عن مسارها !!

الأربعاء، 5 يناير، 2011

في تقرير ديوان الرقابة للعام 2004 تحفظ التقرير على 4 وزارات فقط.. في العام 2008 تضاعف العدد لـ12 وزارة وجهة، وها قد وصل في تقرير 2009 لـ17 بالتمام والكمال.. فأي رسالة تلك التي تصل لتلغراف الوطن عبر هذه المفارقة ؟!
ببساطة أن الوزارات تتجاهل التقرير.. ومثلهم النواب والصحافة ومؤسسات الدولة القانونية والمجتمعية.. ست تقارير مرت من قبل فيها من الفضائح والتجاوزات ما يكفي لأن يذوب 5 وزراء – على الأقل- خجلاً، وأن يُهرب كبار قياديي الشركات للخارج جزعاً وهرباً من القضبان والأصفاد - ولو سيق تقرير كهذا في دولةً متقدمة، لشهدنا استقالات وإقالات ومحاكمات بالجملة- ولكن أقصى ما رأيناه خلال السنوات السبع المنصرمات هو تصريحات تهدئة من الحكومة.. وصيحات استنكاراً من القوى السياسية.. وبعض المقالات والتغطيات الإعلامية التي تتلاشي بعد أسابيع.. وتستغرق ضجة التقرير شهراً – على الأكثر- ثم يُطوى ذكرهُ كطي السجل للكتب !!
وزراءنا ومتنفذينا عرفوا تلك " الطبخة" فما عادوا يخشون في الباطل لومه لائم.. ناهيك أن وجوه هؤلاء "عريضة " كما نقول بلهجتنا الدارجة ، لا لكونهم يأكلون اللحم العربي الدسم في ما "نمضغ" نحن اللحم الأسترالي المُليف، بل لأن حيائهم قليل وإحساسهم أقل..لذا فأنهم رغم ما يقال عن هدرهم وتجاوزاتهم وتلاعبهم بالأموال والمقدرات يتمشون مختالين كالطواويس !! فسبحان من جعل الحياء مجرد قطرة.. إن سقطت؛ سقط الإنسان للأبد ..!!!
وماذا عن النواب..؟!
خلال الدورات الماضية كم طلب استجواب قدموا لهؤلاء الوزراء؟ في الدورات السابقة اكتفى النواب بالتصريحات لإرضاءً الجماهير.. أعقبها استثمار ذكي لما ورد في التقرير لخوض مساومات مع الجهات النافذة تحت شعار " حنونه من حناكم" واستغل التقرير بذلك لتبادل المصالح وتحقيق مطالب حزبية وفئوية ضيقة ما جعل الأمر يتفاقم لأن من أمن العقاب.. لا شك يسئ الأدب مراراً !
****النقاط التي أثارها التقرير كثيرة وصادمة.. نقطتان منهما استوقفتاني بشكل خاص لخطورتهما وإغفالهما عند الحديث العام لسبب أو لآخر..
الأولى متعلقة بحركة مستفزة قامت بها وزارة المالية بالتهادن مع شركة حلبة البحرين الدولية اشترت بموجبها الأولى الأرض والمباني والموجودات الثابتة الملحقة بالحلبة مطلع يناير 2009 بمبلغ 62.5 مليون دينار، ولا شيء مستهجن لهذا الحّد فخسائر الشركة الفلكية، والرغبة اللجوجة في تغطيتها، تتطلب إجراءات راديكالية ولا شك ولكن.. أن تقوم وزارة المالية بتأجير تلك الموجودات والأصول – ثانيةً- لحلبة البحرين مقابل دينار واحد سنوياً، ولمدة 90 سنة قادمة، فمهزلةٌ ما بعدها مهزلة..!!
لوهلةً أخلت أن الأرض اهتزت وأنا أقرأ تلك المعلومة الخجولة.. أي ضحك على الذقون هذا وأي استخفاف بالعقول !! كيف تستثمر المالية 62.5 مليون ولمدة 90 عام مقابل عائد لا يشتري هاتفاً محمولاً.. !! الله أكبر.. هل تعتقدون أن خزينة الدولة محفظة خاصة..؟ ولماذا تسخرون منا بهذه الطريقة.. ؟ قولوا أنكم أعطيتم حلبة البحرين منحة/ هدية بقيمة 62 مليون ولا داعي لهذه الالتفاتة التي تنم عن استهانة وتهريج على الشعب الغافل.. ثم تعالوا هنا.. كيف تعقد الحكومة صفقات كهذه – من أموال الشعب- دون العودة لممثلي الشعب ؟
وعلى ذكر ممثلي الشعب نتساءل.. من يحاسب هؤلاء بشأن الهدر والاستغلال الذي مارسه أعضاء المجالس البلدية والذي كُشف سترهُ بعد أن كنا نشم ريحهُ ونُكذب أنوفنا .. التقرير فضح عن قيام 449 عضواً بلدياً بالسفر على نفقة المجالس لحضور ندوات ومؤتمرات ودورات تدريبية ليست لأغلبها صلة باختصاصات العضو البلدي (!!!).. كما أشار التقرير لأن ثلاثة أعضاء من المجلس البلدي للمحرق درسوا دبلوماً في مصر كلف 3.420 دينار لكل عضو، على نفقة المجلس، ولمدة أسبوعين.. !
بل وكان عدد من البلديين، ممثلي الشعب وحماةُ أمواله، يتقاضون مخصصات مرتين.. ويسافرون على الدرجة الأولى ويستلمون مخصصات تفوق بنسبة 50% تعويضات السفر اليومية ولماذا ؟ للذهاب لـ" زيارات استطلاعية" بمبادرة منهم، دون وجود برامح عمل أو دعوة من تلك الدول .. أي أنها كانت " بالعربي" إجازات مدفوعة الثمن على ظهر الدولة.. !! وإن كنا نطالب بمحاكمة واستجواب المسئولين فمن يحاكم هؤلاء الذين خانوا الأمانة ومصوا دماء الشعب الذي حملهم فوق أكتافه..؟ الشعب المسحول حتى العظم من الظلم الذي يطاله من كل صوب وحدب !!
أننا بحاجة لموقف وطني وأخلاقي صادق تتبناه الجمعيات السياسية التي أوصلت هؤلاء للكراسي وعليها اليوم أن تحقق معهم وتجرسهم وتفصلهم أيضاً ليكونوا عبره لسواهم.. وبالمثل فعلى القيادة أن تعلق المشانق لمن تلوثت حساباته بمال الشعب أو تصرف وكأنه فوق القانون أو أن خزينة الدولة هي حسابه البنكي..
سمو رئيس الوزراء – حفظه الله- وعد، ونحن لسنا بطماعين ولكننا نريد كبش فداء.. سمين هذه المرة.. يبثُ عقابهُ الرعب في من يخاف خسارة الكرسي أكثر مما يخاف الله.. نريد أن نشعر بأن لأموالنا حرمة.. وان القانون يحمي الشعب وإن كان مغفلاً أو غافلاً أو منشغلا بالمسرحيات والصراعات الطائفية عن حقوقه الحقيقيه ..
ولا تشكوا في أن لهذا الحديث.. بقية
هامش ضروري :
لا يكتمل هذا المقال إلا بتوجيه تحية لديوان الرقابة المالية، بدءاً بحسن الجلاهمة رأس الهرم وامتداداً للمدققين والمستشارين والأخصائيين ووصولاً للكتبة والسكرتارية أيضاً.. فككاتبة تستهدف مواطن الفساد أملك فكرة - أكثر من كافية- عن الضغوط والتهديدات والمغريات والتعقيدات التي يتعرض لها هؤلاء، وهي ضغوطٌ تطال الحياة الشخصية بالمناسبة، فالعلاقات الاجتماعية في البحرين شديدة التشابك والامتداد وبالتالي كثيراً ما تمس الأطروحات أقرباء وانسباء وأصدقاء ولكن من يشتري مرضاة الله ويرتهن لأمر الضمير ويعقد عينيه على الوطن يتحامل على نفسه.. فحري بنا كشعب أن نُجل هؤلاء ونُثمن عملهم وحرفيتهم وجديتهم فلهم منا كل شكر واحترام..

الثلاثاء، 28 ديسمبر، 2010

أطربني ، حد الثمالة ، شعار وزارة الداخلية الجديد " لا للفساد" الذي أمطرت به الطرقات وذيلته برقم خط ساخن يجاور عبارة تقول " قولك لا للفساد له وزن".. كدت أسترق الرقم لولا أن عاجلتني المركبة التي ورائي بـ"هرنّ" دفعت الوقود في أحشاء سيارتي إثره، فيما تدافعت الأفكار في مخيلتي زمراً وأفراداً.. جميل هذا الشعار الموحي بالثقة في دولة لم يُحبس فيها مسئول رفيع واحد بتهمة الفساد على مرّ عقود – حادثت نفسي- فكرت أن أهاتف باعتباري " مواطنة غيورة" رغم يقيني أن الموظف قليل الحيلة الذي سيتسلم مكالمتي سيكون أكثر من سعيد..لو لم أتصل..!

كنت سأستهل مكالمتي أولاً بالسؤال عن 4 قضايا مقبورة تتعلق بالاختلاس وتبييض الأموال واستغلال المنصب العام أثيرت حولها جعجعة كثيرة ولم نرّ منها طحيناً. قضية د. إبراهيم الرميحي مدير معهد التنمية السياسية هي أحدثها؛ أردت أن أتساءل علام جُمدت القضية رغم ما قيل عن لبوس التهمة وتوافر الأدلة ؟ وماذا حصل في قضية الوزير السابق منصور بن رجب الذي أُتهم بغسيل أموال تصل لـ21 مليون والتورط في قضايا رشاً وعمولات.. هل كان مظلوماً وثبتت براءته مثلاً.. أم هو مذنب ونفذ من العقاب ؟ من حقنا أن نعرف..

ماذا عن قضية عيسى الذواذي مدير بنك الإسكان الذي ربضّت قضيته في المحكمة 5 سنوات وثبتت عليه وصدر بحقه حكم نهائي بالحبس 10 سنوات ثم أُسقطت عنه العقوبة بعفو كما سمعنا.. حسناً؛ ما مصير الشق الخاص باستعادة أموال البنك التي جاوزت المليون ونصف المليون والتي صدر فيها حكم نهائي وبات.. هل تم استحصالها منه أم أنها " دفعة بلاء" عن شعب البحرين وحلال علية وعلى أنجاله من بعدة..!!

قضية العقيد الفار عادل فليفل التي شغلت الصفحات الأولى من الصحف في 2004و2005 على التوالي وقيل ما قيل عن استغلاله لنفوذه في استلاب الأموال وابتزاز الناس وهتك حقوق الإنسان.. هل حُبس يوماً واحداً بتهم الفساد التي طاردته حكومة البحرين عليها عبر الأنتربول ..!!

وتكرّ سبحة القضايا الفقاعية التي طارت الطيور فيها.. بأرزاقنا !!- قضية فساد ألبا/ ألكوا أكبر قضية فساد في تاريخ البحرين المعاصر المتعلقة بملياري دولار من مدفوعات ألبا والتي ستضل صفقاتها الفاسدة نافذةً حتى العام 2014 تستلّ من خزينة الشركة شهريا ما يتراوح بين 50-60 مليون دولار - بحسب تقديرات سوق لندن للمعادن- ماذا حصل بها ؟ ومن قدم للقضاء فيها سوى موظفان أتهما بتقاضي " خردة" بالآلاف !!

- ماذا عن الصفقة المريبة التي اشترت بموجبها الهيئة العامة للتأمينات - من أموال المؤمّنين ومدخرات ذوي الدخل المحدود- 42 فيلا في الرفاع فيوز لإنقاذ المشروع لاعتبارات "مبهمة".. هل تمت محاسبة / إقالة مسئول واحد على صفقة تفوح منها رائحة تزكم الأنوف !!
- ماذا عن البقرة الحلوب " طيران الخليج" التي تسّد ملفات فسادها عين الشمس..؟ كم مسئولاً تم حبسه في قضايا استنزاف المليارات عبر السنوات..؟ في قضايا تأجير عمارات وهمية لسنوات وفي صفقات مشبوهة لبيع طائرات وصيانة الطائرات، وتعيين شركات استشارية وبيع أجهزة المحاكاة لطائرات 767..؟ وما أخبار نائب الرئيس التنفيذي للشئون الفنية جيف ليفينغ الذي هرب من البحرين عندما قررت النيابة التحقيق معه و" لي شيف" نائب الرئيس التنفيذي للتسويق والمبيعات الذي طار حاملاً معه وثائق سرية تتعلق بحسابات تكشف المتورطين في فساد الشركة " كضمان طبعا".. لماذا لم تطالهم يد القانون أم أنها " دفعه بلاء" أيضاً عن الركاب هذه المرة !!

- ماذا عن قضية الفساد المتعلقة بشركة إصلاح السفن (أسري) التي حقق فيها.. أين وصلت؟ ومن هو الوزير أو المسئول الرفيع الذي تحمل وزرها ؟!! لستم بحاجة لخط ساخن لتعرفوا مكامن الفساد.. ولا لاتصالات المواطنين الذين لا يملكون أدلة في الأغلب الأعم.. تريدون إثبات جديتكم في محاربة الفساد ؟ لديكم تقارير ديوان الرقابة المالية التي تكشف مهازل ومآسيً بالدليل والبرهان ولم نشهد بعد استجواب وزير ولا ناطور بشأنها !! تريدون قضايا فساد حقيقة.. تتبعوا أين ذهبت 65 كم مربع ،هي عُشر مساحة البحرين بأكملها، وكيف تحولت من ملكية عامة لملكية خاصة لحفنةً من الأشخاص استحوذوا على مقدَّرات دولة تجاوز عدد سكانها المليون..!! ****المفارقة الطريفة.. أن جهود محاربة الفساد تأتي أُكلها – فقط- على من لا ظهير له ولا عوين.. كمفتشي السياحة الذين لا تتعدى رواتبهم الـ500 دينار الذين حصلوا على حكم نافذ بـ10 سنوات.. وموظفي ألبا المتهمين بـ"خردة" الذين حصلوا على حكم بـثمان.. ومدير " صغنون" في وزارة التجارة حصل على حكم بـ3 سنوات.. وموظفين في إدارة الهجرة والجوازات عوقبوا بأحكام تصل لـ5 سنوات.. بتهم فساد.. !!لا دولة في العالم تخلو من الفساد – نعلم - ولكن قلة موارد البحرين تُعظم من تأثير الفساد على الشعب، وتعني موارد أقل للمدارس والمستشفيات والطرق والإسكان. الحملات والتصريحات الرفيعة لدعم مكافحة الفساد كثيرة ، سيما تلك التي تبناها ولي العهد، ولكنها لا تطال الفسدة الحقيقيين.. أولئك الذين دسوا أيديهم في جيب كل بحريني وحبسوا البلاد في أزمة.. فيما هو طلقاء لا يمسهم لغوب..!شعار وزارة الداخلية " على رأسنا" ولكننا نحتاج لدليل واحد لنصدقه.. فآذاننا التي صمّها صرير الفساد تحب الشعارات الموسيقية ولكن عيوننا.. باتت لا تصدق !! هامش:
" إنّما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه.. وإذا سرق فيهم الضعيف.. أقاموا عليه الحد" حديث شريف
والله من وراء القصد ،،

الثلاثاء، 14 ديسمبر، 2010

في كتابه عن الملحمة الحسينية يقول الشهيد المطهري " استشهد الإمام الحسين ثلاث مرات: الأولى على يد اليزيديين بفقدانه لجسده، والثانية على يد أعدائه الذين شوّهوا سمعته وأساءوا لمقامه، أما الثالثة فعندما استشهدت أهدافه على يد أهل المنبر الحسيني، وكان هذا هو الاستشهاد الأعظم"
فالحسين ظُلم بما نسب له من أساطير وروايات قاصرة عن أن تصبح تاريخاً يألفه أو يقبله العقلاء. ظُلم لأن تلك الروايات عتمت على أهداف ثورته ومقاصدها.. ظُلم؛ على يد الرواديد ومن اعتلوا منبره ونسبوا له - ولأهل بيته- حوارات ومواقف وهمية ملؤها الانكسار لاستدار الدمع. فصوروه - وهو المحارب الجسور الذي افتدى مبادئه بروحه ودمه - وهو يلتمسُ الماء بكل ذلٍ ومهانة من أعدائه، وصوّروا زينب -الطود الشامخ- التي دخلت على الطاغية يزيد فزلزلته بخطبتها؛ على أنها امرأة جزعة بكآءّه تثبّط همة أخيها في الحرب، وتثنيه عن القتال !!؟
ظلم، وأي ظُلم هذا، عندما حُوِّلت ثورته الراقية على الوحشية لمناسبة لتعذيب وجلد النفس.. بدأها ''التوابون'' من أهل الكوفة بعد استشهاده عندما جلدهم الندم لمّا سمعوا بقتل الأمام الذي كاتبوه وبايعوه للخروج على يزيد ومن ثم خذلوه.. فخرجوا في مواكب يشقون فيها الرأس ويعذبون أنفسهم ندماً على ما فعلوه بالإمام وصحبه.. وتوارثت أجيال الشيعة هذه الطقوس التي لا تتناسب مع ثبات المؤمن وصبره بل وسعت لتبريرها بنسب الفعل للسيدة زينب التي قيل عنها - وحاشاها- أنها شقت الجيب وشجت رأسها حزناً على أخيها؛ حتى جاء المراجع الكبار فحرّموا هذا الطقس ''وعلى رأسهم السيد الخامنئي'' فعُلق حتى في إيران لما فيه من تشويه للمذهب؛ إلا أنه مازال يمارس كل عام مُلبساً ثورة الحسين ما ليس فيها، ومستدراً على منهاجه السوي النقد والتقريع وازدراء العالم!!
ظُلم..عندما زُج بمظاهر الغلو في مجالسه.. وظُلم عندما اتخذت مجالسه وسيلة لترسيخ الفروقات بين الأمة المحمدية التي بذل روحه لجمع شتاتها والحفاظ على هويتها.. وهو ما عبّر عنه آية الله مكارم الشيرازي ذات حديث عندما قال: ما زُجّ بمظاهر الغلو في مجالس الحسين – إلا- ليقلصوا من مكانة وعظمة هذه الواقعة الخالدة''.
ظُلم .. عندما دُرست في المدارس قصص أمرئ القيس والمعري والمتنبي ضمن المناهج الدراسية وما دُرست ملحمته !! ظُلم.. عندما صارت ذكرى استشهاده فرصة التبذير وهدر المال في الولائم المبالغ فيها - تحت اسمه- وهو ابن البيت الذي يتصل فيه الصوم لإيثار التبرع بالزاد على أكله!!
ظُلم ومازال يظلم .. لأن رسالته التي كان خليقاً بها أن ترفع مستوى الفكر البشري؛ غُيبت لصغر العقل وتخثر اللب وتقفل القلوب ..!!
لقد خُلدت الثورة – نعم- ومن يتصفح مظاهر إحياء عاشوراء حول العالم ،ويلمح العبرات التي تنهمر من أعين المسلمين، لا يكاد يصدق أن الواقعة المرثية قد انقضت منذ 1370 عاماً.. ذلك أن الله - في عُلاه- أراد لهذه الواقعة أن تُخلّد ليوم القيامة لما فيها من أرث، ومن دروسً تختصر كنه الصراع الدنيوي بين معسكري الخير والطغيان، وتشرح مفهوم النصر الخالد - ولو- عبر الهزيمة الآنية.. تلك الدروس التي فهمها المهاتما غاندي فقال ''تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر''، وغابت عن فهمنا فما استثمرناها.. فبين فئةً ركّزت على تراجيديا الثورة على حساب رسائلها وأهدافها الكبرى، وبين فئة أخرى أهملتها وتجاهلت معانيها وتعامل معها على أنها لا تخصه.. تبدد الإرث.. وبقي الرثاء.. وظلم بذلك الحسين واستشهد على يد محبيه ومناوئيه آلاف المرات..

فسلام على المظلوم والذبيح العظيم.. الذي ما قدره المسلمون- قاطبةً- حق قدره..

السبت، 11 ديسمبر، 2010

في الشهرين الماضيين شهدنا تعديلاً وزارياً ترقبناه طويلاً.. أمراً ملكياً بتعيين مجلس الشورى، وتشكيلة جديدة للمجلس الأعلى للمرأة ، وأبسط ما توصف بها تلك التغييرات " الجديدة" بأنها " ليست جديدة" ومخيبة للآمال على أكثر من مستوى وصعيد.. طابور من الوجوه المكررة المستهلكة التي تشغرُ أكثر من موقع قيادي واستشاري في الدولة ومجالس إدارات المؤسسات التابعة لها، وجوهٌ تحاصرنا في كلّ مكانٍ ولم يبق إلا أن توضع صورها على قناني المياه وكأن البلد خلت " إلا من هالولد"..!!
والحق أن للتشبث بهذه الوجوه بهذه الطريقة ثلاثة تفسيرات منطقية لا يهجع احتجاج العقل إلا في حضرتها :
فأما أن هؤلاء هم الخيار الوحيد المتوفر في البلاد لأن الله " خلقهم ثم كسر القالب" كما يقال – أو- أن هناك خيارات بديلة ولكن هؤلاء هم الأبرع والأكثر ألمعية وموثوقية في مجالاتهم وبالتالي ويُخشى على العمل أن يتداعى وينهار إن تغيّروا.. أما الخيار الثالث، وهو خيالي ومستبعد، فهو أن التعيينات مبنية على الولاءات والمصالح السياسية وفلان أبن من، وهذا صهر من ، وهذه زوجة من ، وهو فرضيةٌ خياليةٌ مستحيلة كما أسلفنا ،،
*****
بالنسبة للوزراء.. هل أعيد توزيرهم لأنهم قدموا إبّان عملهم انجازات خارقة مثلاً استدعت الاحتفاظ بهم رغم وجود بدائل جديدة قد تفوقهم في القدرات والإمكانيات ؟ هل أعيد توزيرهم لأنهم بدؤوا في خطط ومشاريع متقدمة يُخشى عليها أن تضيع بعدهم ؟ هل تلمسوا مثلاً تطورا ملموساً في وزارتهم إبان توليها لهم - ونحن لا نتحدث هنا عن الفرقعات الإعلامية- بل عن تطور أشاد به المواطن العادي ؟!
هناك كفاءات بين الوزراء - ولا ريب- ولكن بينهم أيضاً شخصيات " منتهية الصلاحية" أثبتت فشلها وعجزها عن إدارة وزارتها.. وما نسبته صحيفة " البلاد" لديوان الرقابة المالية كان فضيحة بكل المستويات لا ندري كيف مرت دون طبل وزمر.. فتخلف الوزارات عن تنفيذ المشاريع المدرجة في جداول الحكومة وبالتالي عدم صرفها للمبالغ المرصودة لتلك المشاريع خبرٌ مهم ينفي خرافة " نقص الميزانية" التي حولها الوزراء لقميص عثمان. فالإسكان لم تصرف فلساً من 400 مليون وضعت تحت تصرفها رغم أن البلد تغلي بسبب الأزمة الإسكانية.. وكان لدى وزارة الصحة 17.5 مليون دينار لم تصرفها ولو لإنقاذ أرواح مرضى السيكلر الذين يتساقطون تباعاً ! وما يُقال عن هؤلاء يقال عن سواهم إلا أن العتب على الوزارات الخدمية لا شك أحمى وطيسا ..
*****
وماذا عن التعيينات الباهتة في الشورى؟ النواب السابقون الذين تم اختيارهم - مع احترامنا- على أي أساس اختيروا ، هل نهضوا بواجبهم بشكل مرض أسعد ناخبيهم وأثار إعجاب الشعب ومؤسساته لتتم مكافأتهم بمنصب كهذا ؟ وماذا عن باقي الوجوه التي لم نسمع بها يوماً وتفاجأنا بوجودها في قمة سدّة التشريع ؟ بصراحة ، وليعذرنا المعنيون فنحن لا نعرفهم ولا نضمر لهم شيئا ولكن حق لنا أن نسأل ، منذ متى كانت الديانة وحدها مؤهلاً كافياً لتولي منصب عام يمثل البحرين حكومةً وشعباً ومؤسسات ! وإن كان الأمر كذلك - أفصحوا- ونؤكد لكم أن كثيراً من المتسلقين مستعدون لتغيير ديانتهم للحصول على هكذا المنصب..!
ندرك أن البحرين تريد أن تسوق للتسامح مع الأديان ولكن توزيع مناصب حساسة ، تُرسم من خلالها سياسة البلاد وتُقولب مستقبل العباد، يجب أن لا يتم بخفة.. في البحرين ليس هناك تمييز على أساس الدين - ولم تتهم البحرين يوماً بذلك- فما الداعي لهذه المبالغة في نفي تهمة لم يلصقها بنا أحد؟
مجلس الشورى الذي يعتبره البعض " تحصيل حاصل" هو كيان مهم مطالب بإثراء الحراك بتلاوينه شريطة أن يكون لها ثقل فكري وعملي وحضور اجتماعي بارز وإلا فوجودهم يضعف قيمة المجلس ولا يثريه ، سيما أن معلومات بعضهم عن مكنونات المجتمع البحريني لا تتعدى معلوماتي عن المجتمع الأرتيري، ومع ذلك فهم يمثلون البلاد ويشرعون لأجيالها القادمة !!
*****
وماذا عن التشكيلة الأرستقراطية للمجلس الأعلى للمرأة.. هذه النخبة من السيدات الكريمات سليلات أرقى وأغني العائلات وزوجات النخب اللواتي يحملن حقائب "الجوتشي" ويلبسن بدلات " الروبرتو كفالي" وتلمع حول معاصمهن "الشوميه" ماذا يعرفن عن شيخة وخدوج وحصة وأم السادة !!
في صفوف كل من أسلفنا من الوزراء وشوريين وعضوات مجلس المرأة – للأمانة- كفاءات تزّن بالذهب.. ولكن طغيان المحسوبيات والتوازانات في التعيين واختلاط الغث بالسمين يضعف تلك الكيانات ككل، كما أن تلك التراكيب لا تمثل شعب البحرين –واقعياً- وإن كانت تمثله نظرياً. ناهيك أن هذا الرص الفوقي لوجوه مكررة في المناصب العامة تنتمي لشريحة وطبقة واحدة أمر لا يمكن أن يكون صحياً ومثمراً.. في الدول المتقدمة لا يحتفظ بشخص – أياً كانت فذاً- لأكثر من دورتين في موقع القرار لقناعتهم بأن حماس الإنسان يتداعى والذات تتضخم ونبع أفكاره الخلاقة ينضب كلما طال أمد احتفاظه بمنصب عال. كما ويؤمن هؤلاء، كنتيجة لسنوات ممتدة من التجربة، بأن العمل يجمد إن لم يضخّ بدماء جديدة ويتدهور إن لم يستفد من قطاف الطاقات المطمورة.
نقول: ارحمونا من تلك الوجوه التي سئمناها، والتي ما لو كان بها مطر لأمطرت.. و أعطوا البلد الفرصة لتتنفس من رئات جديدة عوضا عن تلك التي تهالكت..

الأربعاء، 1 ديسمبر، 2010

قالَ مهاجماً متهكماً : تضحكني - حدَ السعال أحياناً- مقارناتكم واستشهاداتكم المتكررة بالأوضاع في الدول الديمقراطية ؛ فهل لديكم شعوب كتلكم الدول لتطالبوا بمن لديهم من حكومات ونظم ودساتير وحريات؟ لقد عاشرنا هؤلاء الأقوام سنيناً ونستطيع أن نقول بملء الفم : أنهم بتحضرهم وقيمهم الرفيعة جنسٌ مختلف عن "ربعنا الغجر" الذين يزدري العالم سفاهتهم وتخلفهم وعنفهم !
فليصل البحرينيون، والعرب إجمالاً، لعُشر مستوى التحضر والمسئولية التي نرى عليها الألمان واليابانيين والإنجليز بل والصينيين، قبل أن يطالبوا بالمعاملة والحقوق ذاتها..
****
موقف صاحبنا أعلاه، على صلافته وعنجهيته ، به وجاهة ظاهرية تستلزم الرد، سيما بأنه لا يبتعد بوصات عن موقف كثير من النخبة وذوي القرار في دولنا؛ وإن كانوا لا يعبرون عنه بالصراحة ذاتها.
ابتداءً سأستعير منه إشارته " للغجر" وأسأل: ما الذي جعل الغجر.. غجراً ؟
أنه غياب الاستقرار والترحيل القسري والحرمان من الحياة الكريمة ، فعلى مر التاريخ تعرض الغجر للاضطهاد والكراهية، ولطالما دمغوا بالتخلف والغوغائية، وحتى القرن الـسابع عشر كان هناك قانون ألماني يقضي بقتل كل غجري يبلغ الـ18 ما جعل هؤلاء في حالة ترحال دائم تبعتها بطبيعة الحال العزلة وغياب التعليم واللجوء للسرقة وتبني سلوكيات غير مألوفة للشعوب المستقرة.

ما نبتغي قوله – باختصار- لتصحيح الانطباع الظالم عن بعض الأعراق، أن لا عرق يعاني من جينات تخلف تسري في دمه، ولا عرق يُولد سامياً في ذاته بل الظروف والظروف وحدها هي التي تحدد سموه من انحطاطه. ولو توفّر للغجر فرص حياة عادلة لكان وضعهم مختلفاً.. والطبيب غجري الأصل جان سيبولا ، الفائز بجائزة نوبل ، هو دليلٌ شاخص على ما نقول..
في عودة لموضوعنا نقول.. نعم شعوبنا تعاني من عوج..تخلف أخلاقي وقيمي وفكري ولكن..أسألتم أنفسكم يوماً عن سره ؟
- لماذا يكتفي الموظف الحكومي بإنجاز عشر معاملات وهو قادر على الإجهاز على ستين يوميا؟ لأنه يعرف أنه " من يعزي، وحتى ذلك الذي لا يعزي، سيأكل من عيش الحسين" أليس كذلك..؟ لماذا يخترق الناسُ النظام وينسجون شبكة ( واسطات ) ويعتمدون على تشابك المصالح ؟ لأن المعاملات وإن كانت قانونية لا تسير بسلاسة أليس كذلك ؟
- لماذا تتصف الحركة المطلبية في دولنا بالحّدة والعدائية – تسألون.. في اليابان التي تحلفون برأس بشعبها ، يكتفي العامل بلبس شارة حمراء كوسيلة احتجاج فيُسمع لصوته ويُلبى نداءه وتُدرس مطالبه .. هاهنا يطالب المرء المقهور بحقوقه سلمياً فيتجاهلونه.. تخرج مسيرة لرفع مطالب مشروعة فُتقمع وتُسّفه وكأنها مسيرة نمل ما يدفع المرء للانفجار وحتى آنذاك.. لا يسمع صوته !!

- لماذا تعرف تلك الدول الولاء المطلق للدولة ككيان ، ولا يعانون من معشار تعقيداتنا رغم وجود عشرات الأديان والنحل والطرائق ؟ لأن المواطن لديهم يعامل كمواطن.. فيتصرف كمواطن، أليس كذلك ؟ أما هنا فيتعرض للتمييز - الإيجابي أو السلبي- على أساس طائفته وعرقه وقبيلته فلا يرى مناصاً من النظر لنفسه وللآخر من خلال هذه القوالب الضيقة..

- لماذا يتصرف المجتمع الأوربي برقي: يمسك الناس الباب لبعضهم، يتقنون أعمالهم ويبجلون العمل التطوعي و يبتسمون في وجه الغرباء ولا تسمع أبواقاً تنطلق في طرقاتهم دون سبب ولا شجارات ولا حركات بذيئة فيما تشعر وأنت تقود سيارتك هنا بأنك في معركة عين جالوت !!
ببساطة لأن الناس محتقنة، والمؤسسات الدينية التي يُفترض بها أن تحّث على الأخلاق والقيم مشغولة بالرضاعة من ضرع الحكومات وتنفيذ أجنداتها القاضية بالتشديد على الولاء للحاكم وإن كان ظالماً فاشلاً ، والتأليب على الطوائف وتعزيز التدين القشري المتعصب ومحاربة التدين العقلاني المستنير !! ****هل أعني بكل هذا أن الحكومات مسئولة عن تدمير أخلاق الشعوب ؟ بالطبع مسئولة..فعندما تجعلهم ينغمسون في التفكير في لقمة العيش لتصبح الثقافة كماليات ( للمتفذلكين) فقط.. وعندما تكبت الموهوبين والأذكياء والحكماء وتحرمهم من فرص الترقي وتفضلُ عليهم مساحي الجوخ وحبابي الخشوم.. وعندما تتغاضى عن الفاسدين في صفوف السلطة ولا تعاقب على الرشوة والسرقات والتخاذل عن الواجب ما يشجع الشعب على فعل المثل لأن القيم الفاسدة – كما قال ابن خلدون- تمتد من النخب للعوام فتحولهم مع الوقت من ضحايا لتلك القيم لممارسين لها.. النظام العام هنا ، نقول ، هو ما أفسد الناس وليس العكس فلا تقلبوا الحقائق..ولا أدل على ما نقول من أن " ربعنا الغجر" ذاتهم يتحولون لأناس منتجين متحضرين راقين يحترمون النظام ويخضعون له فور استقرارهم في الخارج..
نقول: إن كنتم تريدون شعباً متحضراً راقيا يا سادة.. شعباً ملتزماً يحترم العمل ويتقنه ويقدر النظام كشعوب الدول التي تدرسون وتصيفون في أحضانها.. فالحل في كلمة واحدة لا أكثر.. كلمة واحدة لها رنين الذهب.. العدالة، ما أجملها من كلمة، العدالة في توزيع الثروات.. العدالة في مكافأة المجدين ومعاقبة المتخاذلين، العدالة في معاملة للمواطنين، العدالة في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بغض النظر عن انتماءاته وعلاقاته.. العدالة يا سادة ، والعدالة فقط ، هي المفتاح لكل مشاكلنا .. وأراهنكم أننا بعد تسيدها لن نصبح منضبطين كالشعوب الأوربية فقط.. بل قد تصبح بشرتنا حليبية وأعيننا زرقاء مثلهم أيضا (:

والله – وحده- من وراء القصد