أطربني ، حد الثمالة ، شعار وزارة الداخلية الجديد " لا للفساد" الذي أمطرت به الطرقات وذيلته برقم خط ساخن يجاور عبارة تقول " قولك لا للفساد له وزن".. كدت أسترق الرقم لولا أن عاجلتني المركبة التي ورائي بـ"هرنّ" دفعت الوقود في أحشاء سيارتي إثره، فيما تدافعت الأفكار في مخيلتي زمراً وأفراداً.. جميل هذا الشعار الموحي بالثقة في دولة لم يُحبس فيها مسئول رفيع واحد بتهمة الفساد على مرّ عقود – حادثت نفسي- فكرت أن أهاتف باعتباري " مواطنة غيورة" رغم يقيني أن الموظف قليل الحيلة الذي سيتسلم مكالمتي سيكون أكثر من سعيد..لو لم أتصل..!
كنت سأستهل مكالمتي أولاً بالسؤال عن 4 قضايا مقبورة تتعلق بالاختلاس وتبييض الأموال واستغلال المنصب العام أثيرت حولها جعجعة كثيرة ولم نرّ منها طحيناً. قضية د. إبراهيم الرميحي مدير معهد التنمية السياسية هي أحدثها؛ أردت أن أتساءل علام جُمدت القضية رغم ما قيل عن لبوس التهمة وتوافر الأدلة ؟ وماذا حصل في قضية الوزير السابق منصور بن رجب الذي أُتهم بغسيل أموال تصل لـ21 مليون والتورط في قضايا رشاً وعمولات.. هل كان مظلوماً وثبتت براءته مثلاً.. أم هو مذنب ونفذ من العقاب ؟ من حقنا أن نعرف..
ماذا عن قضية عيسى الذواذي مدير بنك الإسكان الذي ربضّت قضيته في المحكمة 5 سنوات وثبتت عليه وصدر بحقه حكم نهائي بالحبس 10 سنوات ثم أُسقطت عنه العقوبة بعفو كما سمعنا.. حسناً؛ ما مصير الشق الخاص باستعادة أموال البنك التي جاوزت المليون ونصف المليون والتي صدر فيها حكم نهائي وبات.. هل تم استحصالها منه أم أنها " دفعة بلاء" عن شعب البحرين وحلال علية وعلى أنجاله من بعدة..!!
قضية العقيد الفار عادل فليفل التي شغلت الصفحات الأولى من الصحف في 2004و2005 على التوالي وقيل ما قيل عن استغلاله لنفوذه في استلاب الأموال وابتزاز الناس وهتك حقوق الإنسان.. هل حُبس يوماً واحداً بتهم الفساد التي طاردته حكومة البحرين عليها عبر الأنتربول ..!!
وتكرّ سبحة القضايا الفقاعية التي طارت الطيور فيها.. بأرزاقنا !!- قضية فساد ألبا/ ألكوا أكبر قضية فساد في تاريخ البحرين المعاصر المتعلقة بملياري دولار من مدفوعات ألبا والتي ستضل صفقاتها الفاسدة نافذةً حتى العام 2014 تستلّ من خزينة الشركة شهريا ما يتراوح بين 50-60 مليون دولار - بحسب تقديرات سوق لندن للمعادن- ماذا حصل بها ؟ ومن قدم للقضاء فيها سوى موظفان أتهما بتقاضي " خردة" بالآلاف !!
- ماذا عن الصفقة المريبة التي اشترت بموجبها الهيئة العامة للتأمينات - من أموال المؤمّنين ومدخرات ذوي الدخل المحدود- 42 فيلا في الرفاع فيوز لإنقاذ المشروع لاعتبارات "مبهمة".. هل تمت محاسبة / إقالة مسئول واحد على صفقة تفوح منها رائحة تزكم الأنوف !!
- ماذا عن البقرة الحلوب " طيران الخليج" التي تسّد ملفات فسادها عين الشمس..؟ كم مسئولاً تم حبسه في قضايا استنزاف المليارات عبر السنوات..؟ في قضايا تأجير عمارات وهمية لسنوات وفي صفقات مشبوهة لبيع طائرات وصيانة الطائرات، وتعيين شركات استشارية وبيع أجهزة المحاكاة لطائرات 767..؟ وما أخبار نائب الرئيس التنفيذي للشئون الفنية جيف ليفينغ الذي هرب من البحرين عندما قررت النيابة التحقيق معه و" لي شيف" نائب الرئيس التنفيذي للتسويق والمبيعات الذي طار حاملاً معه وثائق سرية تتعلق بحسابات تكشف المتورطين في فساد الشركة " كضمان طبعا".. لماذا لم تطالهم يد القانون أم أنها " دفعه بلاء" أيضاً عن الركاب هذه المرة !!
- ماذا عن قضية الفساد المتعلقة بشركة إصلاح السفن (أسري) التي حقق فيها.. أين وصلت؟ ومن هو الوزير أو المسئول الرفيع الذي تحمل وزرها ؟!! لستم بحاجة لخط ساخن لتعرفوا مكامن الفساد.. ولا لاتصالات المواطنين الذين لا يملكون أدلة في الأغلب الأعم.. تريدون إثبات جديتكم في محاربة الفساد ؟ لديكم تقارير ديوان الرقابة المالية التي تكشف مهازل ومآسيً بالدليل والبرهان ولم نشهد بعد استجواب وزير ولا ناطور بشأنها !! تريدون قضايا فساد حقيقة.. تتبعوا أين ذهبت 65 كم مربع ،هي عُشر مساحة البحرين بأكملها، وكيف تحولت من ملكية عامة لملكية خاصة لحفنةً من الأشخاص استحوذوا على مقدَّرات دولة تجاوز عدد سكانها المليون..!! ****المفارقة الطريفة.. أن جهود محاربة الفساد تأتي أُكلها – فقط- على من لا ظهير له ولا عوين.. كمفتشي السياحة الذين لا تتعدى رواتبهم الـ500 دينار الذين حصلوا على حكم نافذ بـ10 سنوات.. وموظفي ألبا المتهمين بـ"خردة" الذين حصلوا على حكم بـثمان.. ومدير " صغنون" في وزارة التجارة حصل على حكم بـ3 سنوات.. وموظفين في إدارة الهجرة والجوازات عوقبوا بأحكام تصل لـ5 سنوات.. بتهم فساد.. !!لا دولة في العالم تخلو من الفساد – نعلم - ولكن قلة موارد البحرين تُعظم من تأثير الفساد على الشعب، وتعني موارد أقل للمدارس والمستشفيات والطرق والإسكان. الحملات والتصريحات الرفيعة لدعم مكافحة الفساد كثيرة ، سيما تلك التي تبناها ولي العهد، ولكنها لا تطال الفسدة الحقيقيين.. أولئك الذين دسوا أيديهم في جيب كل بحريني وحبسوا البلاد في أزمة.. فيما هو طلقاء لا يمسهم لغوب..!شعار وزارة الداخلية " على رأسنا" ولكننا نحتاج لدليل واحد لنصدقه.. فآذاننا التي صمّها صرير الفساد تحب الشعارات الموسيقية ولكن عيوننا.. باتت لا تصدق !! هامش:
" إنّما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه.. وإذا سرق فيهم الضعيف.. أقاموا عليه الحد" حديث شريف
والله من وراء القصد ،،
في كتابه عن الملحمة الحسينية يقول الشهيد المطهري " استشهد الإمام الحسين ثلاث مرات: الأولى على يد اليزيديين بفقدانه لجسده، والثانية على يد أعدائه الذين شوّهوا سمعته وأساءوا لمقامه، أما الثالثة فعندما استشهدت أهدافه على يد أهل المنبر الحسيني، وكان هذا هو الاستشهاد الأعظم"
فالحسين ظُلم بما نسب له من أساطير وروايات قاصرة عن أن تصبح تاريخاً يألفه أو يقبله العقلاء. ظُلم لأن تلك الروايات عتمت على أهداف ثورته ومقاصدها.. ظُلم؛ على يد الرواديد ومن اعتلوا منبره ونسبوا له - ولأهل بيته- حوارات ومواقف وهمية ملؤها الانكسار لاستدار الدمع. فصوروه - وهو المحارب الجسور الذي افتدى مبادئه بروحه ودمه - وهو يلتمسُ الماء بكل ذلٍ ومهانة من أعدائه، وصوّروا زينب -الطود الشامخ- التي دخلت على الطاغية يزيد فزلزلته بخطبتها؛ على أنها امرأة جزعة بكآءّه تثبّط همة أخيها في الحرب، وتثنيه عن القتال !!؟
ظلم، وأي ظُلم هذا، عندما حُوِّلت ثورته الراقية على الوحشية لمناسبة لتعذيب وجلد النفس.. بدأها ''التوابون'' من أهل الكوفة بعد استشهاده عندما جلدهم الندم لمّا سمعوا بقتل الأمام الذي كاتبوه وبايعوه للخروج على يزيد ومن ثم خذلوه.. فخرجوا في مواكب يشقون فيها الرأس ويعذبون أنفسهم ندماً على ما فعلوه بالإمام وصحبه.. وتوارثت أجيال الشيعة هذه الطقوس التي لا تتناسب مع ثبات المؤمن وصبره بل وسعت لتبريرها بنسب الفعل للسيدة زينب التي قيل عنها - وحاشاها- أنها شقت الجيب وشجت رأسها حزناً على أخيها؛ حتى جاء المراجع الكبار فحرّموا هذا الطقس ''وعلى رأسهم السيد الخامنئي'' فعُلق حتى في إيران لما فيه من تشويه للمذهب؛ إلا أنه مازال يمارس كل عام مُلبساً ثورة الحسين ما ليس فيها، ومستدراً على منهاجه السوي النقد والتقريع وازدراء العالم!!
ظُلم..عندما زُج بمظاهر الغلو في مجالسه.. وظُلم عندما اتخذت مجالسه وسيلة لترسيخ الفروقات بين الأمة المحمدية التي بذل روحه لجمع شتاتها والحفاظ على هويتها.. وهو ما عبّر عنه آية الله مكارم الشيرازي ذات حديث عندما قال: ما زُجّ بمظاهر الغلو في مجالس الحسين – إلا- ليقلصوا من مكانة وعظمة هذه الواقعة الخالدة''.
ظُلم .. عندما دُرست في المدارس قصص أمرئ القيس والمعري والمتنبي ضمن المناهج الدراسية وما دُرست ملحمته !! ظُلم.. عندما صارت ذكرى استشهاده فرصة التبذير وهدر المال في الولائم المبالغ فيها - تحت اسمه- وهو ابن البيت الذي يتصل فيه الصوم لإيثار التبرع بالزاد على أكله!!
ظُلم ومازال يظلم .. لأن رسالته التي كان خليقاً بها أن ترفع مستوى الفكر البشري؛ غُيبت لصغر العقل وتخثر اللب وتقفل القلوب ..!!
لقد خُلدت الثورة – نعم- ومن يتصفح مظاهر إحياء عاشوراء حول العالم ،ويلمح العبرات التي تنهمر من أعين المسلمين، لا يكاد يصدق أن الواقعة المرثية قد انقضت منذ 1370 عاماً.. ذلك أن الله - في عُلاه- أراد لهذه الواقعة أن تُخلّد ليوم القيامة لما فيها من أرث، ومن دروسً تختصر كنه الصراع الدنيوي بين معسكري الخير والطغيان، وتشرح مفهوم النصر الخالد - ولو- عبر الهزيمة الآنية.. تلك الدروس التي فهمها المهاتما غاندي فقال ''تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر''، وغابت عن فهمنا فما استثمرناها.. فبين فئةً ركّزت على تراجيديا الثورة على حساب رسائلها وأهدافها الكبرى، وبين فئة أخرى أهملتها وتجاهلت معانيها وتعامل معها على أنها لا تخصه.. تبدد الإرث.. وبقي الرثاء.. وظلم بذلك الحسين واستشهد على يد محبيه ومناوئيه آلاف المرات..
فسلام على المظلوم والذبيح العظيم.. الذي ما قدره المسلمون- قاطبةً- حق قدره..
في الشهرين الماضيين شهدنا تعديلاً وزارياً ترقبناه طويلاً.. أمراً ملكياً بتعيين مجلس الشورى، وتشكيلة جديدة للمجلس الأعلى للمرأة ، وأبسط ما توصف بها تلك التغييرات " الجديدة" بأنها " ليست جديدة" ومخيبة للآمال على أكثر من مستوى وصعيد.. طابور من الوجوه المكررة المستهلكة التي تشغرُ أكثر من موقع قيادي واستشاري في الدولة ومجالس إدارات المؤسسات التابعة لها، وجوهٌ تحاصرنا في كلّ مكانٍ ولم يبق إلا أن توضع صورها على قناني المياه وكأن البلد خلت " إلا من هالولد"..!!
والحق أن للتشبث بهذه الوجوه بهذه الطريقة ثلاثة تفسيرات منطقية لا يهجع احتجاج العقل إلا في حضرتها :
فأما أن هؤلاء هم الخيار الوحيد المتوفر في البلاد لأن الله " خلقهم ثم كسر القالب" كما يقال – أو- أن هناك خيارات بديلة ولكن هؤلاء هم الأبرع والأكثر ألمعية وموثوقية في مجالاتهم وبالتالي ويُخشى على العمل أن يتداعى وينهار إن تغيّروا.. أما الخيار الثالث، وهو خيالي ومستبعد، فهو أن التعيينات مبنية على الولاءات والمصالح السياسية وفلان أبن من، وهذا صهر من ، وهذه زوجة من ، وهو فرضيةٌ خياليةٌ مستحيلة كما أسلفنا ،،
*****
بالنسبة للوزراء.. هل أعيد توزيرهم لأنهم قدموا إبّان عملهم انجازات خارقة مثلاً استدعت الاحتفاظ بهم رغم وجود بدائل جديدة قد تفوقهم في القدرات والإمكانيات ؟ هل أعيد توزيرهم لأنهم بدؤوا في خطط ومشاريع متقدمة يُخشى عليها أن تضيع بعدهم ؟ هل تلمسوا مثلاً تطورا ملموساً في وزارتهم إبان توليها لهم - ونحن لا نتحدث هنا عن الفرقعات الإعلامية- بل عن تطور أشاد به المواطن العادي ؟!
هناك كفاءات بين الوزراء - ولا ريب- ولكن بينهم أيضاً شخصيات " منتهية الصلاحية" أثبتت فشلها وعجزها عن إدارة وزارتها.. وما نسبته صحيفة " البلاد" لديوان الرقابة المالية كان فضيحة بكل المستويات لا ندري كيف مرت دون طبل وزمر.. فتخلف الوزارات عن تنفيذ المشاريع المدرجة في جداول الحكومة وبالتالي عدم صرفها للمبالغ المرصودة لتلك المشاريع خبرٌ مهم ينفي خرافة " نقص الميزانية" التي حولها الوزراء لقميص عثمان. فالإسكان لم تصرف فلساً من 400 مليون وضعت تحت تصرفها رغم أن البلد تغلي بسبب الأزمة الإسكانية.. وكان لدى وزارة الصحة 17.5 مليون دينار لم تصرفها ولو لإنقاذ أرواح مرضى السيكلر الذين يتساقطون تباعاً ! وما يُقال عن هؤلاء يقال عن سواهم إلا أن العتب على الوزارات الخدمية لا شك أحمى وطيسا ..
*****
وماذا عن التعيينات الباهتة في الشورى؟ النواب السابقون الذين تم اختيارهم - مع احترامنا- على أي أساس اختيروا ، هل نهضوا بواجبهم بشكل مرض أسعد ناخبيهم وأثار إعجاب الشعب ومؤسساته لتتم مكافأتهم بمنصب كهذا ؟ وماذا عن باقي الوجوه التي لم نسمع بها يوماً وتفاجأنا بوجودها في قمة سدّة التشريع ؟ بصراحة ، وليعذرنا المعنيون فنحن لا نعرفهم ولا نضمر لهم شيئا ولكن حق لنا أن نسأل ، منذ متى كانت الديانة وحدها مؤهلاً كافياً لتولي منصب عام يمثل البحرين حكومةً وشعباً ومؤسسات ! وإن كان الأمر كذلك - أفصحوا- ونؤكد لكم أن كثيراً من المتسلقين مستعدون لتغيير ديانتهم للحصول على هكذا المنصب..!
ندرك أن البحرين تريد أن تسوق للتسامح مع الأديان ولكن توزيع مناصب حساسة ، تُرسم من خلالها سياسة البلاد وتُقولب مستقبل العباد، يجب أن لا يتم بخفة.. في البحرين ليس هناك تمييز على أساس الدين - ولم تتهم البحرين يوماً بذلك- فما الداعي لهذه المبالغة في نفي تهمة لم يلصقها بنا أحد؟
مجلس الشورى الذي يعتبره البعض " تحصيل حاصل" هو كيان مهم مطالب بإثراء الحراك بتلاوينه شريطة أن يكون لها ثقل فكري وعملي وحضور اجتماعي بارز وإلا فوجودهم يضعف قيمة المجلس ولا يثريه ، سيما أن معلومات بعضهم عن مكنونات المجتمع البحريني لا تتعدى معلوماتي عن المجتمع الأرتيري، ومع ذلك فهم يمثلون البلاد ويشرعون لأجيالها القادمة !!
*****
وماذا عن التشكيلة الأرستقراطية للمجلس الأعلى للمرأة.. هذه النخبة من السيدات الكريمات سليلات أرقى وأغني العائلات وزوجات النخب اللواتي يحملن حقائب "الجوتشي" ويلبسن بدلات " الروبرتو كفالي" وتلمع حول معاصمهن "الشوميه" ماذا يعرفن عن شيخة وخدوج وحصة وأم السادة !!
في صفوف كل من أسلفنا من الوزراء وشوريين وعضوات مجلس المرأة – للأمانة- كفاءات تزّن بالذهب.. ولكن طغيان المحسوبيات والتوازانات في التعيين واختلاط الغث بالسمين يضعف تلك الكيانات ككل، كما أن تلك التراكيب لا تمثل شعب البحرين –واقعياً- وإن كانت تمثله نظرياً. ناهيك أن هذا الرص الفوقي لوجوه مكررة في المناصب العامة تنتمي لشريحة وطبقة واحدة أمر لا يمكن أن يكون صحياً ومثمراً.. في الدول المتقدمة لا يحتفظ بشخص – أياً كانت فذاً- لأكثر من دورتين في موقع القرار لقناعتهم بأن حماس الإنسان يتداعى والذات تتضخم ونبع أفكاره الخلاقة ينضب كلما طال أمد احتفاظه بمنصب عال. كما ويؤمن هؤلاء، كنتيجة لسنوات ممتدة من التجربة، بأن العمل يجمد إن لم يضخّ بدماء جديدة ويتدهور إن لم يستفد من قطاف الطاقات المطمورة.
نقول: ارحمونا من تلك الوجوه التي سئمناها، والتي ما لو كان بها مطر لأمطرت.. و أعطوا البلد الفرصة لتتنفس من رئات جديدة عوضا عن تلك التي تهالكت..
قالَ مهاجماً متهكماً : تضحكني - حدَ السعال أحياناً- مقارناتكم واستشهاداتكم المتكررة بالأوضاع في الدول الديمقراطية ؛ فهل لديكم شعوب كتلكم الدول لتطالبوا بمن لديهم من حكومات ونظم ودساتير وحريات؟ لقد عاشرنا هؤلاء الأقوام سنيناً ونستطيع أن نقول بملء الفم : أنهم بتحضرهم وقيمهم الرفيعة جنسٌ مختلف عن "ربعنا الغجر" الذين يزدري العالم سفاهتهم وتخلفهم وعنفهم !
فليصل البحرينيون، والعرب إجمالاً، لعُشر مستوى التحضر والمسئولية التي نرى عليها الألمان واليابانيين والإنجليز بل والصينيين، قبل أن يطالبوا بالمعاملة والحقوق ذاتها..
****
موقف صاحبنا أعلاه، على صلافته وعنجهيته ، به وجاهة ظاهرية تستلزم الرد، سيما بأنه لا يبتعد بوصات عن موقف كثير من النخبة وذوي القرار في دولنا؛ وإن كانوا لا يعبرون عنه بالصراحة ذاتها.
ابتداءً سأستعير منه إشارته " للغجر" وأسأل: ما الذي جعل الغجر.. غجراً ؟
أنه غياب الاستقرار والترحيل القسري والحرمان من الحياة الكريمة ، فعلى مر التاريخ تعرض الغجر للاضطهاد والكراهية، ولطالما دمغوا بالتخلف والغوغائية، وحتى القرن الـسابع عشر كان هناك قانون ألماني يقضي بقتل كل غجري يبلغ الـ18 ما جعل هؤلاء في حالة ترحال دائم تبعتها بطبيعة الحال العزلة وغياب التعليم واللجوء للسرقة وتبني سلوكيات غير مألوفة للشعوب المستقرة.
ما نبتغي قوله – باختصار- لتصحيح الانطباع الظالم عن بعض الأعراق، أن لا عرق يعاني من جينات تخلف تسري في دمه، ولا عرق يُولد سامياً في ذاته بل الظروف والظروف وحدها هي التي تحدد سموه من انحطاطه. ولو توفّر للغجر فرص حياة عادلة لكان وضعهم مختلفاً.. والطبيب غجري الأصل جان سيبولا ، الفائز بجائزة نوبل ، هو دليلٌ شاخص على ما نقول..
في عودة لموضوعنا نقول.. نعم شعوبنا تعاني من عوج..تخلف أخلاقي وقيمي وفكري ولكن..أسألتم أنفسكم يوماً عن سره ؟
- لماذا يكتفي الموظف الحكومي بإنجاز عشر معاملات وهو قادر على الإجهاز على ستين يوميا؟ لأنه يعرف أنه " من يعزي، وحتى ذلك الذي لا يعزي، سيأكل من عيش الحسين" أليس كذلك..؟ لماذا يخترق الناسُ النظام وينسجون شبكة ( واسطات ) ويعتمدون على تشابك المصالح ؟ لأن المعاملات وإن كانت قانونية لا تسير بسلاسة أليس كذلك ؟
- لماذا تتصف الحركة المطلبية في دولنا بالحّدة والعدائية – تسألون.. في اليابان التي تحلفون برأس بشعبها ، يكتفي العامل بلبس شارة حمراء كوسيلة احتجاج فيُسمع لصوته ويُلبى نداءه وتُدرس مطالبه .. هاهنا يطالب المرء المقهور بحقوقه سلمياً فيتجاهلونه.. تخرج مسيرة لرفع مطالب مشروعة فُتقمع وتُسّفه وكأنها مسيرة نمل ما يدفع المرء للانفجار وحتى آنذاك.. لا يسمع صوته !!
- لماذا تعرف تلك الدول الولاء المطلق للدولة ككيان ، ولا يعانون من معشار تعقيداتنا رغم وجود عشرات الأديان والنحل والطرائق ؟ لأن المواطن لديهم يعامل كمواطن.. فيتصرف كمواطن، أليس كذلك ؟ أما هنا فيتعرض للتمييز - الإيجابي أو السلبي- على أساس طائفته وعرقه وقبيلته فلا يرى مناصاً من النظر لنفسه وللآخر من خلال هذه القوالب الضيقة..
- لماذا يتصرف المجتمع الأوربي برقي: يمسك الناس الباب لبعضهم، يتقنون أعمالهم ويبجلون العمل التطوعي و يبتسمون في وجه الغرباء ولا تسمع أبواقاً تنطلق في طرقاتهم دون سبب ولا شجارات ولا حركات بذيئة فيما تشعر وأنت تقود سيارتك هنا بأنك في معركة عين جالوت !!
ببساطة لأن الناس محتقنة، والمؤسسات الدينية التي يُفترض بها أن تحّث على الأخلاق والقيم مشغولة بالرضاعة من ضرع الحكومات وتنفيذ أجنداتها القاضية بالتشديد على الولاء للحاكم وإن كان ظالماً فاشلاً ، والتأليب على الطوائف وتعزيز التدين القشري المتعصب ومحاربة التدين العقلاني المستنير !! ****هل أعني بكل هذا أن الحكومات مسئولة عن تدمير أخلاق الشعوب ؟ بالطبع مسئولة..فعندما تجعلهم ينغمسون في التفكير في لقمة العيش لتصبح الثقافة كماليات ( للمتفذلكين) فقط.. وعندما تكبت الموهوبين والأذكياء والحكماء وتحرمهم من فرص الترقي وتفضلُ عليهم مساحي الجوخ وحبابي الخشوم.. وعندما تتغاضى عن الفاسدين في صفوف السلطة ولا تعاقب على الرشوة والسرقات والتخاذل عن الواجب ما يشجع الشعب على فعل المثل لأن القيم الفاسدة – كما قال ابن خلدون- تمتد من النخب للعوام فتحولهم مع الوقت من ضحايا لتلك القيم لممارسين لها.. النظام العام هنا ، نقول ، هو ما أفسد الناس وليس العكس فلا تقلبوا الحقائق..ولا أدل على ما نقول من أن " ربعنا الغجر" ذاتهم يتحولون لأناس منتجين متحضرين راقين يحترمون النظام ويخضعون له فور استقرارهم في الخارج..
نقول: إن كنتم تريدون شعباً متحضراً راقيا يا سادة.. شعباً ملتزماً يحترم العمل ويتقنه ويقدر النظام كشعوب الدول التي تدرسون وتصيفون في أحضانها.. فالحل في كلمة واحدة لا أكثر.. كلمة واحدة لها رنين الذهب.. العدالة، ما أجملها من كلمة، العدالة في توزيع الثروات.. العدالة في مكافأة المجدين ومعاقبة المتخاذلين، العدالة في معاملة للمواطنين، العدالة في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بغض النظر عن انتماءاته وعلاقاته.. العدالة يا سادة ، والعدالة فقط ، هي المفتاح لكل مشاكلنا .. وأراهنكم أننا بعد تسيدها لن نصبح منضبطين كالشعوب الأوربية فقط.. بل قد تصبح بشرتنا حليبية وأعيننا زرقاء مثلهم أيضا (:
والله – وحده- من وراء القصد
بين الفينة والأخرى.. تطلق الحكومة مشروعات للتحلل من بعض مسئولياتها والتزاماتها تجاه المواطنين، وتروّج لها بدهاء وتهدّ منذ سنوات مثلاً زعمت أن الخدمات الإسكانية تتأخر لكونها تتشتت بين المعسرين والمقتدرين، فقررت حرمان كل زوجين يتخطى دخلهما مجتمعين 1200 دينار من خدماتها الإسكانية ! ورغم أن هذا الدخل لا يعني أن الأسرة غنية وقادرةٌ على توفير مسكن إلا إننا قلنا " شعّاد " إذا كان هذا سيقلص أمد انتظار الأسر المطحونة حقاً، وها قد مرّت السنواتُ ولم يتغيّر شيء، لا زالتْ عشرات الآلاف من الأسر تنتظر، ولا زالت الطلبات تتكدس ولم تهدأ وتيرة الشكوى بل تعالت، وطلع الجميع من " المولد بلا حمص " !!
قيل لنا : سنفرض رسوماً عالية على العمالة الأجنبية لرفع كلفتها وتقليص أعدادها.. فقلنا لهم :إن إصلاح سوق العمل لا يكون بالرسوم وأن الغلاء سيستعر والمواطن هو من سيدفع الفاتورة فقيل لنا : أننا لا نفهم وأننا سنرى كيف سيغدو البحريني " الخيار الأفضل" لأرباب الأعمال وسترتفع أجور المواطنين وستصبح " الاشيه معدن".. وهاهي إحصائياتهم تؤكد ، بعد عامين من تطبيق المشروع، أن 94 % من الإجمالي الكلي للوظائف هذا العام ذهبت للأجانب " مقابل 81 % لنفس الفترة العام الماضي !" وأن 98 % من الأجور العالية قد ذهبت للأجانب في طفرة غير مسبوقة لم نشهد مثلها قبل هذا المشروع " الفلتة " !!
ولو استعرضنا المشاريع التي خُدعنا وأُوهمنا بأنها في صالحنا واتضح العكس فلن ننتهي. لذا فسنترك الأمر وننتقل لتفنيد المشروع الجديد للتدرج في رفع الدعم عن المنتجات ابتداءً بمشتقات النفط ووصولاً للأغذية.. وهو مشروع حاولتْ الحكومة على مراحل متقطعة جسّ النبض لتمريره وفشلت.. وها هي تعود بزخم أكبر هذه المرة وهي تتباكى هذه المرة على عجز الميزانية..!!
ولتمحيص وجهة نظر الحكومة، سنتجاهل التصريح الملتوي الفضفاض لوزير المالية، وسنمسك بتلابيب تصريح وزير شئون النفط د. عبد الحسين ميرزا الذي لم ينطق عن الهوى بالطبع.. يقول الوزير دام ظله :
أن أسعار بعض المشتقات النفطية لم تطرأ عليها زيادة منذ العام 1983فيما تضاعفت أسعار النفط عشر أضعاف.. ونقول وبالله التوفيق ، ليست أسعار النفط وحدها من تضاعف.. بل أسعار السلع الأساسية والكمالية والمنازل ومصروفات المدارس بل وأسعار المزروعات التي تضاعفت حتى 20 ضعفاً.. يصادف أن بين يدي الآن وثيقة ملكية لأرض من مخطط شيخان الفارسي في سار اشتراها قريبي في العام 1983م الذي تتحدث عنه يا سعادة الوزير وكان القدم يومها بـ400 فلس ، وهو اليوم بـ21 ديناراً يا سعادة الوزير.. فكم ضعفا هذا؟ وأعذرني على ضعفي في الرياضيات ، وما هي القرارات الحكومية التي أدت لهذه الطفرة ؟ وما هي الإجراءات التي اُتُخذتْ لحماية المواطن منها ؟
والسؤال الرئيس هو : كم مرة تضاعفت الرواتب في البلاد يا سعادة الوزير..؟ الزيادة التي طرأتْ بنسبة 15% بعد جلبة لا توصف تزامنت مع التلاعب بتعرفة الكهرباء " ومسئولة أنا عما أقول".. ورفع اشتراكات التأمينات واقتطاع الـ1% ورفع رسوم التسجيل العقاري ثلاثة أضعاف ورفع رسوم المرور وغيرها من الضرائب التي رفعت " بـسّكات" في غفلة من المواطنين.. فعلامَ تمنون بالتحديد ومن أحق باللوم.. ؟
يقول سعادته : دعم البنزين أوجد ممارسات غير مناسبة يا جماعة ، كثيرون يصرون على استخدام البنزين الممتاز رغم أن البنزين الجيد يناسب سياراتهم، ورداً عليه نقول ومسئولية من توعية المستهلك بذلك؟ لماّذا لم تضعوا إعلانات في محطات الوقود تنبه الناس لذلك، وتأكدوا أن ثلث الشعب يُرحب بالتوفير ولو كان في 40 فلساً للتر !!
يقول الوزير: الدعم يكلفنا 500 مليون ونريد توجيهه للمعسرين بدلاً من أن يتوزع على الشركات والميسورين وغير المواطنين بنفس الدرجة.. ونحن نقول أن الكلام جميل، وذكاءٌ منكم أن تعزفوا على وتر الأجانب الذي يُثير في المواطنين شجوناً.. ولكنه كلام حق يراد به باطل.. إن كان الدعم سيوجه للمعسرين فنحن أول المصفقين ولكن.. هل سيُعاد توجيه الـ500 مليون للمعسرين أم سيُخفض المبلغ – وهنا مربط الفرس- و من يضمن لنا أن الشركات لن ترفع أسعار البضائع والخدمات تبعاً لزيادة التكلفة وبالتالي يتحملها المواطن طوعاً أو كرها..؟ هل ستراقبون الأسعار وتثبتون بعضها كما يجري في دول الجوار أم ستتنصل الحكومة كالعادة من تلك المسئولية وتردد أنها سوقٌ حرة " واصطفلوا مع تجاركم" !!
يقول الوزير : التوجه هو لقصر الدعم الحكومي على ذوي الدخل المحدود.. ونحن نقول ما هو تعريفكم لذوي الدخل المحدود.. وكيف ستحصرونهم ؟ فيلم الرعب المسمى بـ" علاوة الغلاء" ما زال حاضرا كالكابوس في الأذهان برهاناً على عجز الحكومة عن السيطرة على مجرد علاوة يُفترض أن تُصرف بسلاسة ويسر.. هل ستطلبون من الناس أن تُسجل للدعم ثم ترهقونهم بطلب وثائق تثبت " فقرهم".. ثم تسقط أسماؤهم، ثم ستفتحون باب التظلم ، ثم تطالبونهم بتجديد بياناتهم كل حين؟! وما هي آلية الصرف : كوبونات ؟!! وكم كوبوناً للعائلة يا ترى.. وهل سيكون المبلغ مفتوحاً أم سيكون هناك سقف للكوبونات منعاً " للهدر" ؟! ستحسبون مشاوير المواطنين أم ستقدرونها حسب العمر والمنطقة ؟ أي ذلٍ هذا الذي تريدون سقايته للناس ؟ ومن قال لكم أن المواطن وإن كان محتاجاً يريد أن يعلق لافتة على صدره بعوزه وفاقة أبنائه !! أكنتم لترضون هذا على آبائكم وأخواتكم لو لم تكونوا من أرباب النعم ؟! خافوا الله فيما تضمرون لهذا المواطن من كبد !!
يقول الوزير: علينا مراجعة آليات وسياسات الدعم الحكومي التي تستنزف أموالاً طائلة من الموازنة العامة لخلق وفر مالي من الممكن " من الممكن مو أكيد " إعادة توجيهه للصرف على مشاريع تنموية يستفيد منها المواطنون.
ونقول للوزير اعذرنا لو لم نصدقك.. لأن التجربة أثبتت أن الحكومة تواصل التضييق على المواطن في حين أنها هي من يهدر الميزانية لا المواطن " الذي يصب بترول ممتاز بدل الجيد " !!
مؤخراً ضخت الحكومة مليار دولار في شركة طيران الخليج مؤسسة الفساد التي لا يُرتجى منها ربح..وأسقطت من قبل الملايين التي منحت كقروض لمشروعات فاشلة من جيب صندوق التقاعد ومحفظة التأمينات، وهاهي تواصل سياسة دعم المشروعات المكلفة وغير الضرورية.. قبل أيام أعلن وزير التجارة عن مشروع مدينة للمعارض في الصخير تكلفة المرحلة الأولى منه 385 مليون دولار وتكلفة النهائية 1.5 مليــار دولار. فبالله عليكم هل نحن بحاجة الآن حقا لمدينة معارض جديدة في حين أن الأرض الموجودة خالية ثلث العام..!! أليست لدينا في البلاد أولويات مرحلية أهم من مشروع كهذا !!!
إن كنتم فعلاً تريدون وقف الهدر.. رشدوا منح الأراضي التي تخصص وتباع من المال العام.. كبلوا التجنيس.. تريدون وقف الهدر؟ ما رأيكم بتقليص ما ينفق على المحافظات الأربع التي لا نتلمسُ لها دوراً ونرى أن إدارات صغيرة تابعة لوزارات قادرةٌ على النهوض بعملها كله..! الهدر تقولون ؟! انظروا للاحتفالات والمهرجانات التي تحرق الملايين.. تأملوا كلفة المستشارين الذين يتقاضون رواتب فلكية ليمطرونا باستشارات لو كان فيها خير لما وصلنا لمآلنا اليوم !!
تريدون ترشيد الإنفاق حقاً " حلو" قلصوا امتيازات الوزراء والوزراء السابقين ومن هم برتبة وزير من محافظين ورؤساء مجالس وهيئات ومستشارين الذين يثقلون الميزانية برواتبهم ومنازلهم ورحلاتهم الصيفية والشتوية والرسمية والترويحية ويحصلون على بترول مجاني بالمناسبة ".. وممتاز بعد !! "
هناك عجز في الميزانية.. حسنا.. ليتحمله من تسبب فيه..
وليجد له مخارج: بتنويع الدخل بتقليص المصروفات بالاستثمار الرشيد أو بأي كان.. لتشد الحكومة الحزام أما المواطن فخصره صغير وليس لديه كرش يتّحمل شداَ.. وننتظر من النواب والصحافة والنخب السياسية اليوم أن تكونوا سداً منيعاً أمام هذه المحاولات.. فالمناخ السياسي متوتر والوضع على أشده.. ولا يتحمل تغيرات جذرية أو حركات بهلوانية ..
اللهم قد بلغت .. اللهم فاشهد ..
فيما وصف بواحدة من " أكبر عمليات إعادة التسلح في التاريخ" أماطت الـ فايننشال تايمز البريطانية اللثام عن صفقات أسلحة بقيمة 123 مليار دولار أبرمتها الولايات المتحدة مع دول الخليج هذا العام ( نعلم أن الأرقام الضخمة " تدوده" قراءنا وعليه نذّكر أن المليار ألف مليون!!) وتحدث صحيفة الوول ستريت جورنال" إن الإدارة الأمريكية تجري محادثات إضافية مع دول خليجية بغية تزويدها بسفن حربية وأنظمة دفاع مضادة للصواريخ بعشرات المليارات.. ووفقاً للـBBC فإن الإدارة الأمريكية تدرج هذه العقود في إطار سياسة " تقوية حلفاء واشنطن في مواجهة إيران" بعبع أمريكا الجديد بعد زوال الإتحاد السوفيتي واحتلال العراق !!
الخبر مزعج.. لا من جهة أن أمريكا تستنزف دول الخليج ماليا باستخدام "فزاعة إيران" بعد أن استنزفت أموال العالم بتخويفه من " الأسلحة النووية العراقية" التي لم يظهر لها – بعد زهاء 7 سنوات من احتلال العراق- إي أثر.. ولا من جهة أن دول الخليج تزيد في ترسانة عسكرية تصدأ من قله الاستخدام ما يضطرها لصرف مليارات إضافية لصيانتها.. بل ما يجّلد النفس حقاً هو واقع أن تلك المليارات ، وعوضاً عن أن تُوجه لإطلاق صناعات، ولبناء مشفيات ومدارس، ولتطوير بني تحتية.. ستذهب لتوفير دفعة قوية لصناعة الدفاع ولمصانع الأسلحة الأمريكية التي تنبأ مركز "أنطوني كوردسمان" للدراسات الإستراتيجية بأنها ستشهد عاماً مزدهراً جراء هذه الصفقات !!
المفارقة هنا أن دول الخليج ، تلك الدول نفطية المسالمة التي تفجرت ثروتها من قيعان الأرض، لا تواجه – أصلاً- أيه تهديدات عسكرية حقيقيه وليست لديها عداوات تُذكر " اللهم إلا تلك التي تستوردها كحليفه لأمريكا" ولكنها رغم ذاك تنهك ميزانياتها بالتسليح عوضاً عن مواجهة تحدياتها التنموية ودخول السباق الصناعي ، الذي يحتاج لمعدات وأدمغة تملك دولنا اليوم السيولة اللازمة لشرائها، وتملك السوق المستهلك المتعطش لها، إلا أنها ما زالت تتمسك بدور الوريث المتهور الذي حصل على تركه ضخمة لم يرّق في سبيلها قطره عرق ؛ فطفق يصرف منها دون رشد !!
****
المفارقة الأكبر تتمثل في أن هي أن تلك الصفقات تُصرف في توقيت حرج.. حيث الأزمة المالية تنخر في المجتمعات والغلاء يهتك الأوصال.. ناهيك عن استحكام الأزمة الإسكانية وتعالى الشكاوى من تواضع الخدمات الصحية وتآكل البنى التحتية " كلكم شهد كيف حل الدمار ببعض المدن الخليجية نتيجة الأمطار العام الماضي بسبب تهالك البني التحتية "، فالحياة في دول الخليج ليست براقة كما تبدو للناظرين من عليائهم.. الطرقات والشوارع الرئيسية ؛ وتلك التي تطوق المطارات والمناطق الحيوية ؛ حديثة متطورة نعم ؛ ولكن جلّ المناطق الداخلية والقرى – وفي أغلب الدول الخليجية- لا تختلف حقاً عن المناطق المهملة في أفقر دول العالم.. خلا تزايد التحديات المتعلقة بالبطالة في مجتمعاتنا الفتيه ( 45% من التعداد السكاني في المتوسط مازالوا في المراحل التعليمية المختلفة " ما يعني بأن المؤسسات التعليمية تضخ – سنويا- عشرات الآلاف من الشباب لسوق عملً عاجز عن استيعابهم وامتصاصهم !
ولو وسعنا النظرة ونظرنا لأبعد من أنوفنا ، فسنضحك حد السعال من حقيقة أننا ننفق على الدفاع والتحشيد العسكري أكثر مما تنفقه بريطانيا نفسها " ميزانية وزارة الدفاع البريطانية بأكملها 59 مليار دولار وتقرر مؤخراً تخفيضها لأقل من 10% بسبب ضغوط وزير المالية الشاب جورج اوسبورن، كما أن دولة عظمى كاليابان تصرف أقل من 3% من دخلها على الدفاع وليس لديها جيش !! إيران نفسها ، الدولة التي حولتها القوى الدولية لـ" فوبيا" عربية ننفق " ما ورائنا وأمامنا" لنواجهها؛ لا تصرف أكثر من 4 مليار سنويا على التسلح. ووفقاً لموقع "CIA" فإن دول الخليج تسبق حتى إسرائيل نفسها في الإنفاق على التسليح وهو ما يدفعنا للتساؤل عن سبب تدافع دويلات صغيره، لا تعاني من تهديدات خارجية بقدر ما يجب أن تؤرقها التحديات الداخلية، على إرهاق نفسها بصفقات كهذه.. أما الأهم فهو: ما جدوى تحالفاتها واتفاقياتنا العسكرية المكلفة مع الدول العظمى إن لم تكن هي من سينهض بحمايتنا إن ما تعرضنا لهجوم يوما !!
أن القيادات الخليجية، ولأنها عاجزة عن تلمس احتياجات المواطنين، تخطأ في توجيه ثلث ميزانياتها للتسليح ولو أدرك هؤلاء ما تعانيه شعوبهم لأوقفوا التبذير على الأسلحة ووجهوا الميزانيات لما هو مهم وفاعّل حقاً.. سيما وأن تجربة غزو الكويت ، التي كانت الاختبار الوحيد لفعالية التحشيد العسكري الخليجي، قد أثبتت أن القوات الخليجية ليست قادرة – بنفسها- على حسم الصراعات العسكرية وأن تحالفاتها – لا جيوشها- هي قوة الردع الوحيدة التي تملك
انفض سامر الانتخابات ولنا فيها دلو ندليه.. نبوبه كالتالي:
الشارع السني.. تفوق على نفسه ..
هذه المرة.. تمرد الشارع السني على الاملاءات وسلطة الجمعيات وتمسك بتلابيب المستقلين.. لم يقف عند جزئيات : كهذا مصليً وهذا هاجرٌ للمسجد ، وهذا حليق وذاك ملتحي، وهذا " حبوب" وذاك نزق بل.. تصرف بفطنة وبرغماتية بعد أن درس في جامعة ألاعيب السياسة لـ 8 سنوات وختم الدرس وتخرج.. بخيبة !
فالشارع السني ، وخلافاً لما يرى على السطح، يغلي بالرغبة في التغيير ويحترق من الداخل جراء هدر حقوقه ولكنه لا يجد من ينطق بصوته لأن جُل من يحلفون باسمه مداهنون وصوليون. هذه المرة.. كشر عن أنيابه، ووجه صفعة مدوية لكل من استهان به واستهتر بأحلامه.. لقد خرج السلفيين والأخوان هذه المرة بست مقاعد وبشق الأنفس " أقل من نصف مقاعدهم السابقة بالمناسبة" ولولا فوز عادل المعاودة بالتزكية بعد انسحاب منافسه في ظروف غامضة، ووجود اثنان من أصل هؤلاء الستة في مناطق جمعية ( وعد) المغضوب عليها، لخرجت " الأصالة والمنبر" بنصف هذا العدد على الأرجح..!!
هي على كل حال رسالةٌ لهم وللمستقلين الذين خلفوهم أيضاً :
لا تستغلوا هؤلاء الطيبين ولا تفهموا سكوتهم خطأً.. تجنبوا الاصطدام مع الحكومة على حسابهم وستندمون.. فعندما يتألم الشارع السني من التجنيس ومن هدر المال العام وعدم عدالة توزيع المساكن ويجد من أنابهم لتمثيله يتجاهلون أنينه فأنه يغضب..
وإياكم.. إياكم وغضب الحليم ..
الشارع الشيعي .. و" سنور" الوفاق ..
على الضفة الأخرى لم تبتعد خيارات الشارع الشيعي بوصة واحدة عن سابقتها॥ تشبثوا بالوفاق واسقطوا المستقلين بالجملة لأسباب لا يغفلها ناظر :
• فحتى أشهر قليلة مضت كان هناك تململٌ واسع من أداء بعض وجوه الوفاق ومن الأداء المتواضع لكتلةً هي الأكبر في البرلمان.. لاشك لمعت بعض وجوه الكتلة وتألقت ولكن السواد الأكبر كان " تكمله عدد" وكثيرٌ منهم أغضب بجفائه وإهماله أهل دائرته ما وشى بأن الناس ستتطلع لتغييرهم ولكن.. بدأت الحملة الأمنية وتزامنت معها حملاتٌ شرسة للتشكيك بولاء الشيعة بغرض تشويه علاقتهم بمؤسسة الحكم وأطياف المجتمع وهو ما أدى - بطبيعة الحال- لتكتل الجماهير المذعورة والتفافها حول الوفاق " باعتبارها التجمع الأكبر والأكثر تنظيماً في الصف الشيعي "..
بدورها استثمرت الوفاق – بذكاء- ما وجه لها من سهام حقودة لإثارة " الفزعة" لقائمتها بغض النظر عن كفاءة شخوصها ومستوى القناعة بهم.. هذه المرة لم تلعب الوفاق على وتر " الجنة وجهنم " كما فعلت قبلاً بل عزفت ، بكل اقتدار، على وتر " تحديات الطائفة" فاستحثت الجموع لنصرتها.. وأطرف تعليقً يختصرُ المشهد هو ذاك الذي سمعته محدثتكم من شاب قال " شوفي أستاذة؛ لو ترشح الوفاق سنور..بعد بننتخبه" !!
• خدم الوفاق أيضا أن الوجوه التي نافستها كانت إجمالاً مغمورة، حتى تصور البعض أنها مدفوعة " لسرقة" مقاعد من الوفاق كما راجّ.. أما المستقلين من أهل العلم والسياسة والكياسة فتقاعسوا عن الترشح خوفاً من المغامرة بجهودهم وأموالهم مقابل فتوى صغيرة - قد- تخرجُ في ساعة الحسم فتسقطهم..!
ولا يمكن هنا أن نغفل مدلولات حصول د. حسن مدن على 44% من أصوات الدائرة التي نافس فيها جواد فيروز. وأحدس أن د.مدن لو نافس الوفاق في غير منطقة فيروز، وهو من أقوى وأكفأ عناصر الوفاق، لفاز.. بيد أن ظفر د.مدن بهكذا نسبه – في منطقة فيروز بالذات– تعطينا مؤشراً إيجابياً ينبئ أن الناس ، إن وجدت بدائل مقنعة في المستقبل للوفاق، فستنحاز لها.. لا نقول ذلك كرها في الوفاق – حاشا- فهي جمعية مجتهدةٌ وطنيةٌ لها وعليها.. ولكن الوفاق ليست وليه أمر الشيعة.. ولا تمثل كل شيعة البحرين على الأرض لتحتكر تمثيلهم في البرلمان. لذا نتمنى أن يذوق الناس عنب سواهم سيما أن تجربة الدورة الأولى " بوجود عبد النبي سلمان ومرهون وغيرهم" أثبتت أن هناك كفاءات ضمن الطائفة تستطيع ان تمثلها وتمثل الوطن دون إثارة حساسيات مذهبية..
عموما قد يتغير، نتمنى أن تتغير، مقاربات الوفاق هذه المرة.. لئلا يضربها برق السخط في المرة القادمة..
الإعلام الأخرق.. والدرس القاسي :
شاءت بعض الجهات في الدولة أن تخلق ماكنة أعلام تخدمها وتمثلها فرعت كيانات وزرعت أقلاماً هنا وهناك لتنفذ توجهاتها وتخوض حروبها.. تلمع هذا وترمى ذاك بالوحل وتشوش بث هذه الكتلة و" تدفدف" على تقصير تلك.. ولهذا الغرض سُخرت أموال طائلة ( أحد الزملاء قال لي في لحظة طيش وأنا أطالبه بالكتابة بضمير " وهل ستدفعين لي 5 آلاف شهريا" فعقد لساني، فإن كان كاتب متواضع الشعبية والموهبة يحصل على " أكرامية" كهذه.. فلابد أن تتساءل علام يحصل سواه )!!
ليس هذا موضوعنا على أية حال.. بل دراسة حقيقة أن من روجت لهم هذه الترسانة الإعلامية بتأدً وثبات لسنوات ؛ سقطوا.. ومن تغتصبُ سمعتهم ومصداقيتهم على الورق كل صباح فازوا أو تعملقت شعبيتهم تعاطفاً معهم " وعدُ مثالا".. وفي تلك رسالةٌ مهمة للجهات " الحاضنة" لتعيد النظر، بشكل جدي ، في تمويل تلك الاطروحات التي – لم تثبت فشلها فحسب- بل وأنها تأتي بنتائج عكسية !!
العسكريين .. بقعة الحبر
لا يمكن لمنصف ان ينكر كم كانت الانتخابات شفافة ونزيهة ، مخالفاتها لا تكاد تذكر وتنظيمها مُبهر، وحتى المراكز العامة التي يُرعد ذكرها فرائصنا لم تؤثر في النتائج " من فاز فاز بصناديق منطقته ومن خسر خسر بسببها " سارت الأمور بسلاسة – نقول- ولكن بقعة الحبر التي لوثت ثوب الانتخابات كانت تجيير أصوات العسكريين.. أولاً بإجبارهم على التصويت رغم كونه اختياريا " مشهد العسكريين الذين منعوا – لسبب ما- من التصويت وهم يترجون المشرفين لختم جوازاتهم خشية التعرض للعقاب كان مألوفاً في عددً من المراكز".. أضف لذلك ما أُشيع في صفوفهم – عمداً- من أن الدولة ستعرف لمن منحوا صوتهم من خلال العلامة اللامعة في الورقة..!
عدد العسكريين في البحرين ليس بالهين. هم 30 ألف أو يزيد متمركزون في مناطق معينة وتجييرهم لصالح أسماء بعينها غير معالم النتيجة دون شك في بعض المناطق.. وكل تلك ممارسات يجب التحقيق فيها من قبل ذوي القرار لمحاسبة من بدرت منه - أو بمعيته- لما فيها من هتك لحقوق العسكريين والمرشحين في آن..
وعد.. هزيمة بطعم النجاح..
كنا نأمل أن تزخرف وجوه "وعد" مقاعد المجلس لتكتمل تلاوينه ولكن..ما تحقق المنى ولعل الرابعة.. تكون الثابتة !!
رموز " وعد" استفادوا من فترة الانتخابات للتعبير عن أطروحاتهم ونشر أفكارهم والتقرب من الشارع - وهذا بحد ذاته مكسب- واللافت أن شعبية " وعد" تتزايد مع كل هزيمة.. ولهاته الكفاءات المغيبة نقول: لستم بحاجة للبرلمان لتمثلوا الشعب.. كل من لديه صوت وحجة ومنطق وقلم من حقه أن يمثل الشعب بطريقته.. استثمروا ما اكتسبتموه في الانتخابات من صيت ولا تدخلوا في "بيات نضالي" حتى الانتخابات القادمة.. كونوا نواب غير متوجين والميدان لكم وسماء البحرين قبتكم..
*****
قُضي الأمر اليوم وما لنا إلا أن نقول ختاماً سوى حفظ الله البحرين وأهلها الطيبين من الدسائس والخبث والخبثاء..
رب وفق أهل البحرين لنواب يصدقونهم ويمثلونهم ولا يمثلون عليهم ..
رب أحفظ ملكنا وقيادتنا من بطانة السوء واحفظ شعبنا من سماسرة الفتن وتجارة الذمم..
انك سميع مجيب عالم بالحال بلا مشتكي ..
لن نتحدث اليوم عن مخرجات الانتخابات؛ فالصورة لن تتبلور إلا بحسم المقاعد الست الباقية.. بل سنمحّص فرضية خطيرة؛ مؤرقةٌ وشاخصة؛ رصدناها جميعا في الانتخابات وإن صحّت..فنحن في محنة ذمة حقيقي يضاف لمآزقنا الممتدة في البحرين..!
****
قبل أسابيع استوقفني فخامة كتيب براق لمرشح جمعية إسلامية لا تتحمل – حتى البنوك والشركات الاستثمارية - تكاليف مثله فطفقت أسأل صديقاً يمتهن العمل بالمطابع عن كلفه طباعه ألفي كتيب – على الأقل- كهذا فقلبه يمينا ويساراً وقال : أثنى عشر ألف دينار على الأقل ! تساءلت يومها: من أي أتي صاحبنا " وهو من أهل الله الأتقياء" بمبالغ كهذه ..؟! انهمرت بعدها الأسئلة وسط غيوم الشك التي تكاثفت بسبب بذخ الحملات الانتخابية: من أين جاءت الجمعيات ، التي تمول هؤلاء المرشحين ، بأجرة الخيام التي تكلف – يوميا- ما يتراوح بين 500-1500 دينار، وبكلفة المشروبات وولائم العشاء اليومية وأجر المساعدين من تقنيين ومروجين وبكلفة الدعاية في الطرقات والصحف التي كلفت – وحدها- وفق تقدير خميس المقلة رئيس جمعية المعلنين، مالا يقل عن 2 مليون دينار ناهيك عن الرشاوي التي أغدق بها المرشحون الناخبين ، جهاراً نهاراً، على هيئة مساعدات سيما في الدوائر التي شرُس فيها الصراع..
هل وجد هؤلاء مغارة علي بابا ..؟ أم اكتشفوا بئر نفط وسط مبنى الجمعية ولم يبلغوا عنه ؟!
أمام أسئلة كهذه لا يقاوم الذهن استحضار صور اليافعين الذين يتلقفون المصلين عند أبواب المساجد لجمع الأموال للأعمال الخيرية فلا تقاوم ، وأنت في أعلى درجات الروحانية بعيد الصلاة، الرغبة في تطهير محفظتك من " وسخ الدنيا " ووضع بعضه في صناديق التبرعات.. وكثيراً ما تُشجعك الفرحة التي ترتسم على وجوه هؤلاء الصبية الطيبين لمضاعفة ما وضعت -عن طيب خاطر- طمعاً في الأجر وثقةً بأن الأموال ستذهب لمحرومين هم أكثر حاجة لها منك.. والحقيقة الشاخصة هي أننا نجهل أين تذهب هذه الأموال.. وعلى أي أساس ومعيار تُصرف.. وقد جاءت تلك الانتخابات ببذخها لتعيد السؤال بشكلً أكثر لجاجةً وإلحاحاً ..!!
******
قبل حوالي أربع سنوات.. صُعق ورثة رجل دين معروف في قرية فقيرة لما اكتشفوا أن الرصيد البنكي لوالدهم " الزاهد العابد" يناهز الـ5 مليون دينار، وعبثاً حاول المقربون يومها إقناع الورثة أن تلك الأموال هي – غالباً- أموال صدقات أخطأ والدهم بتكديسها وعليهم -هُم - توزيعها لئلا يُشوى أبيهم في القبر ولكنهم فضلوا عذابه على التخلي عن أموال ستنقلهم من العسر للبسطة.. وحدث في دولة عربية أن أكتشف أن سيدة داعية ، تعيش حياة يلفها الحرمان ، تملك 25 مليون جنية تخبئهم في أكياس نايلون والأمثلة على التكسّب من وراء الدين والأناس الطيبين كثيرة.. وكلكم يذكر كيف ثارت في العام 2008 ضجة عندما أعلنت مجلة فوربس ملايين الدعاة العرب، وما خفي من ثروات علماء ورجال الدين.. كان أعظم ..!!
****
لا نفتري على أحد ولكن،،
أجيبونا من أي أتت الأموال التي مولت حملات كلفت – وفقاً لتحليلات الملاحق الاقتصادية- ما يتراوح في الحد الأدنى بين 25-100 ألف للمرشح الواحد..! وما هي مصادر تلك الجمعيات أساسا سوى الاشتراكات الزهيدة وأموال الزكاة والخُمس والصدقات ؟ وإن صدق حدسنا وكانت تلك الأموال أموالُ التبرعات فقولوا لنا من خولكم بتشغيلها وصرفها على الحملات الانتخابية ؟ هل أفتى لكم أحد بأن هذا هو وجه من وجوه أعمال الخير فصدقتموه !! أن المتبرعين وأهل الخير عندما يجودون فإنما يريدون لهذه الأموال أن تذهب للمحتاجين والأيتام والمرضى وللتعليم ولترميم المنازل لا لخدمة أهداف سياسية واصطفافات فئوية..
بعض الجمعيات وزعت إبان الانتخابات رشاوىً " فالرشوة أيام الانتخابات – استثنائيا- حلال" على هيئة مساعدات توجهت للعائلات كثيرة الأصوات وفي المناطق التي أحتدم فيها الصراع الانتخابي دون غيرها.. فمن قال لكم أن تلك آلية مقبولة في مفاضلة الفقراء وتوزيع التبرعات !!
كما وسمعنا من عاملين أنهم تلقوا مكافآت من صناديق خيرية..
فمن سمح لكم بمكافأة معاونيكم من جيوب الفقراء !!
هناك فرضية أخرى قائمة تخفف من وطأ الفرضية أعلاه.. وهو أن تلك الجمعيات تلقت مساعدات من جهات " أخرى" وهذا بحد ذاته هتك للمادة 25 من قانون الانتخاب الذي يحظر على المرشح " تلقي أية أموال للدعاية الانتخابية من أية جهة كانت " فما هي الحقيقة ؟ من أين مولتم حملات أناس متواضعي الثروة مداخليهم ورواتبهم معروفة..!!
نتمنى أن نكون مخطئين.. وسنكون أكثر من ممتنين لو خرجت علينا الجمعيات التي نستأمنها على الأموال والتبرعات بتصريح أو بيان يوضح بشفافية مصادر تمويل الحملات والرشا ، عفوا المساعدات، التي تسارعت وتيرتها وستهدأ الآن حتى الانتخابات القادمة..!
في كافة الدول العربية هناك مطالبات بإقرار قانون " من أين لك هذا" لضبط شطط متنفذي السلطة وكبح تسلطهم على المال العام، وربما حان الوقت لنطالب بمثله لرجال الدين المؤتمنين على أموال غير محصورة وغير معلومة الحجم وهم في نهاية المطاف بشر لا يسلمون من نزعة التملك البشرية وإلحاحها..
والله – وحده- من وراء القصد ،،
منْ طرائفِ السياسة البحرينية أن مهندسي الفتنِ إن قرروا تصفيةَ سمعةِ شخص أو الطعن في مصداقيته فإنهم يحققون العكسَ تماماً ، وإن هم ما ابتغوا دعمَ تيارٍ وتلميع شخصيةِ أسقطوها ، تماماً كالمُزيّن عديم الخبرة الذي إن أراد تكحيلَ عينٍ عماها وأن أشتهى التفننَ في تجميلِ عروسٍ جعلها مَسخاً ! أو ربما كالطفلِ المُذْنِب الذي إن أراد إبعاد ناظريك عن شيء لفتَ انتباهك لهُ من حيثُ لا يدري !!
****
بالأمس القريب زرتُ المحرقَ الأبية حيثُ طُوقتُ بأهلها الشرفاء الكرام واحتفيتُ بوجودِهم في لقاءٍ طويلٍ كشفَ حجمَ الالتفافِ غير المسبوقِ حول المعارضين والمستقلين وتنامي شعبية جمعية وعد أكثر من أي وقت مضى كردة فعلٍ على الهجماتِ الشرسة.. غير الأخلاقية.. التي تعرّض لها رموزُ التيار مؤخرا.
يومها.. سألتُ همساً :
إلامَ تعزين كل هذا العداء ضد إبراهيم شريف بالذات ؟ وما سرُّ الاستماتةِ لتسقيط مرشحي " وعد" دوناً عن مرشحي جمعية الوفاق، رغم تطابق أطروحاتهم المعارضة ؟
سؤالان مُبتسران لهما إجابة واحدة، لن يحقق الشعب مكتسبات تُذكر دونَ استيعابِها..
نعم ، وجودُ إبراهيم شريف يزعجُ السلطةَ ويقلقها كونه يساوى - في ميزانِهم- ثقل عشر معارضين شرسين.. لا لأنهُ داهية في السياسة والاقتصاد فحسب، ولا لكونه محاور صلّد قادر على صرعِ الترهات بلغة الأرقام ومواجهة الشائعات والخرافات بالوثائق.. بل بشكل خاص لأنهُ – ولنكن صرحاء- سني المذهب.. فالسلطة عبر التاريخِ لا تسود إلا أن فرّقت.. في البحرين كانت التخريجةُ الأفضل لضربِ المعارضة هو ربطها بأجندات مذهبية.. فالمعارضون " وهم إجمالاً عرب وأصولهم بحرينية بنسبه 100% " لديهم تهمة واحدة معلبة تنتظرهم كُلما رفعوا عقيرتَهم بمطالباتٍ تصبُّ في مصلحة الشعب.. كل الشعب.. "أنتم موالون لإيران" ورُفعت المصاحف !!
- " نعتقدُ بعدم عدالةِ توزيع الدخل " * هذا لأنكم شيعة موالون لإيران
- "يجب محاربة الفساد ووقف نزف المال العام " * هذه أكاذيب أوعزت لكم بها إيران.
- "لماذا تجنسون وأنتم عاجزون عن الوفاء بمتطلبات شعبكم" * لمواجهة المخططات الإيرانية التي تمثلونها.
- لماذا ارتفع سعر كيلو الطماطم لدينار، ومتى يُقوض الغلاء ؟ أهــا.. ترددون هذه الهلوسات بدافع حبكم لإيران ..!!
ورغم أن التهمة سمجة.. وليس لها رنين واقعي.. إلا أن الجماعة هداهم الله مصرين على " حلبها" للرمقِ الأخير لتبرير المعارضة المتنامية في البحرين.. بديلها الأوحد أن تعترف السلطة بأن شعبها مرهق اقتصاديا ، وأن العدالةَ الاجتماعية مفقودة، وأن التوتر وليد الطبقية الضارية وضعف الخدمات وحجب الحقوق.. وهو ما يأبى النظام الاعتراف به فيلقي باللائمةِ على شماعة إيران - بعبع أمريكا بعد زوال العراق- لتسميـع الناس في الخارج هذه الإدعاءات وكسب تعاطفِهم.. والحق أن شعب البحرين لا يعبأ بإيران ولا بأذربيجان بل يريدُ العيش عزيزاً في وطنه لا أكثر.. ولا أقل..
في عودة لموضوع إبراهيم شريف نقول: أن مقاس تهمة الولاء لإيران " فضفاض" عندما يأتي الأمر للمعارضين السنة.. لذا تم الحرص على شراءِ ذممهم وتمييع مواقفِهم أو إخراسهم لإلباس الملفات لبوساً طائفياً لتسهيل تجاوزها وتجاهلها.. والضحية هاهنا هو المواطن البسيط في قلالي وكرانة وعسكر أو عالي.. وحريٌّ بالسلطة أن تنتهي عن ما تفعل وقف كلَّ هذا وتركز جهودَها على تلبية مطالب الناس ورفع معاناتهم.. ففزاعة إيران التي خوّفت الطيورَ السنية طويلاً بدأت تُبلى من تأثير شمس حقيقة التباين الطبقي والمعيشي.. ففي دولة يعيش متنفذوها في منزل كيلو متر في كيلو متر - في حين يحلمُ ثلثا الشعب بمنزلٍ مساحته 350 متراً - يصعب تصديق أن المطالبات بالعدالة.. مذهبية !!
****
نعرفُ أن السلطة في البحرين أضافتْ للفروض الخمسة فرضاً سادساً.. وهو احتمال وجوهٌ احترقت أوراقها وأنكشف للناس دجّلها و فتنتها وترهاتها.. نعرف أن السلطة ترى في بقاء هؤلاء ضمانة، بيد أن الحق أن هؤلاء باتوا بؤر استفزاز ورفعوا منسوبَ الاحتقان ولم يعد بقاءهم مجدياً.. بالمعنى ذاته فالدفع باتجاه إسقاط إبراهيم شريف وفخرو وسيادي وبعض المستقلين الذين لمسنا شعبيتهم في مناطقهم لصالح تجمع " الفرض السادس" خطأ استراتيجي.. فمكاسب السلطة من فوزهم أكبر لو كانوا يفقهون :
- فإن دخل إبراهيم شريف ورهطه المجلس، أو زاد عدد المستقلين –لا نعني هنا حملة المباخر و"حبابي الخشوم" بالطبع بل المستقلين الحقيقيين- فقد يغرقون كما غرق سواهم في فخ العجز عن تحقيق الوعودِ ما سيهوى بمصداقيتهم للأبد.. كما وقد " يتروضون" إن لمع بريق الذهب في أعينهم والتجربة أثبتت - للسلطة والناس- أن كثيراً من أسود المنابر تحولوا لقطط عندما حان وقت العمل..
- أما إن دخلوا وواصلوا دربَهم النضالي .. فنعمةٌ للسلطة أيضاً.. فالعمل ضمن النظام وتحت مظلته أفضل من العمل " المنفلت" ووجودهم في البرلمان سيكون متنفسا للشعب.. وفي أبجديات علم السياسة يعد السماح للشعب بالتنفيس عن مكنوناته ومعاناته خير سبيل لامتصاص غضبه والحيلولة دون.. انفجاره.
على السلطة أن تعقل أمورها وتتصرفُ بأبوية لا ندية.. ولتعلم أن الناسَ ضاقتْ بالجمعيات الطائفية التي تزدادُ غنا ونفوذا فيما يزدادُ الباقون بؤساً.. اتركوا الناس لتقرر من ستنتخب لئلا ينفجروا ويفقدوا توازنهم أكثر..
وشعب البحرين نخاطب هنا ونقول.. موعدنا السبت.. اقصدوا الصناديق، قولوا كلمتكم وامتثلوا لأوامر ضمائركم .. وضمائركم فقط.. ومن يدري ربما يمّن علينا الرحمن ، وتتسامح معنا " المراكز العامة "، فنظفر بالبرلمان الذي حلمنا به طويلاً ،،
حرر في 19- أكتوبر- 2010
إني أتجول بين عالمين ، أحدهما ميت والآخر عاجز عن أن يولد॥ وليس هناك مكان حتى الآن أريح رأسينيلسون مانديلا
يوميا؛ أستيقظ على اختراق أصوات المروحيات العمودية لصمت نافذتي فأشعر بأني في " كابول"..!
مع قدح الصباح أتصفح الجرائد لأرى الأحادية في أصرخ أشكالها : قافلة مقالات ذات موقف واحد ، ورؤيةً واحدة ومنطق واحد - لا فرق بينهم إلا في زخرف الكلم - حتى أني لأشتهي أحياناً أن أقترح عليهم أن يكفوا أنفسهم العناء و" يتحاططوا" في كتابة مقال واحد توفيرا للوقت والجهد والأعصاب !!
تمرُّ بالتصريحات فترى تغول لغة التحذيرات والتهديدات التي لم نعهدها قبلاً.. تسمع بين السطور صدىً يردد " نحن الوطن، ومخالفتنا خروج عن الوطنية " فتقطب حاجبيك في صمت.. تتنزه بين الصفحات فتدهشك بيانات متراصّة لشخصيات وجمعيات خرجت من العدم وتكاثرت بشيطانية في الأزمات تتحدث بلسان الوطن ، وتختزل الوطن في ذاتها ومصالحها ، تمنح صكوك الوطنية لهذا وتصادر وطنية ذاك بخفةً لا تُغتفر.. !
تخرج من خدّرك للشوارع فتجدها تزدحم بصور مرشحين لا تملك إلا أن تتساءل من هؤلاء.. ومن أين جاؤوا..؟ متى تعاطوا الشأن السياسي ؟ ومتى تمرسوا على العمل العام ؟ وما هو خطهم الوطني وما هي امتداداتهم الفكرية ؟ هل نام هؤلاء ليلاً واستيقظوا بقناعة أنهم يصلحون لمسئولية بجلال تمثيل الشعب وصياغة مستقبله !! أم أن مهمة البرلماني تبدو من التفاهة والسهولة بمكان شجع المتقاعدين والمتعطشين للمال والنفوذ والشهرة لتزكية أنفسهم لها !!
حال البلد لا يسر، هكذا باختصار، وهوامش الحرية التي نعمنا بها على مدار السنوات العشر الماضية تقلصت بشكل مقلق، وصارت الساحة خالية إلا من لاعب أوحد.. القوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني انكمشت هي أيضا وصارت تمشى قرب الحائط وتطلب " الستر"، فسحب تراخيص جمعياتً والتهديد بمقاضاة أخرى ومنع نشرات وغيرها من الإجراءات القارقوشية جعلت الكل "مؤدباً وطيعاً ".. ليس هناك حراك ولا اعتصامات مرخصة ولا لقاءات عامة والصحف ، التي يفترض أن تكون متنفسا يوميا للشعب ، مكممةُ وتتعالى عن الحديث بلسان المواطن البسيط لأنها مشغولةٌ بوعظه وتعليمه كيف يفكر وكيف يشعر ! اجتماعيا هناك احتقان غير مسبوق .. الناس غير سعيدة.. منزعجةٌ ومتوثبةٌ وقلقة من المستقبل وارتدادات الأمس ولكنهم ملزمون بإما الصمت أو التهليل لأنها اللغة الوحيدة المقبولة اليوم.. يخاف الناس أن يتكلموا عن لقمة العيش والغلاء والتوزيع العادل للثروات والعدالة والتجنيس السياسي خشية أن يوصموا بالإرهاب.. فصدر السلطة ضيق الآن ولا أحد يريد استمطار العقاب .
.. وحدهم أخوة يوسف الذين جاءوا لأبيهم عشاً يبكون هم " المنتعشون" اليوم وتعرفهم من لحن القول.. فخنق الديمقراطية و"إزهار" المؤسسات البوليسية والتضييق على الحريات وشنق التعددية هو غايةٌ عريضة وحققوها.. فبذور الشك والفتنة التي زرعوها أينعت أخيرا وأتت قطافها..والوقت الآن مثالي للتنفع والحركات البهلوانية واستلاب المكاسب الشخصية..
***
غرّة رمضان، عندما بدأت الحملة الأمنية لم نندهش حقا.. فمن تصرفوا بطيش ونزق طوال هذه السنوات وأمعنوا في الاستفزاز واعتبروا كل من حذرهم من مغبة أفعالهم المرتجلة خائناً وعميلاً؛ كانوا يعرفون أن يوماً ما سيأتي وسيسدل الستار؛ أخبرهم الجميع بذلك. ولكن ما أدهشنا حقاً، هو أن عقال العقاب قد أنفلت ليطال الجميع ويجبرهم على دفع " فاتورة " أعمالً لم يصادقوا عليها يوما ولم يشاركوا فيها ولم يقبلوها..!!
أيعقل أن يؤدي كشف مخطط إرهابي - كما يحلو للدولة أن تُسميه- إلى العودة بنا لعقد مضى ولتقليص سقف الحريات ولتحريم الجدل في القضايا الوطنية ولتكبيل مؤسسات المجتمع المدني ولترهيب المعارضين وللتراجع عن المناخ الديمقراطي التعددي الذي لطالما افتخرت به البلاد !!
هل ديمقراطيتنا بهذه الهشاشة بحيث تهتز من القواعد لمجرد أن مجموعة مرقت أو تطرفت في أطروحاتها أو أساليبها ؟ ما الداعي ، بعد تقويض شغب الشوارع والسيطرة عليه ، لكل هذه الإجراءات القصوى التي تظهر البلاد وكأنها في حرب وتشّل الحراك أزمة عصيبة وتعيد تأثيث المشهد البحريني استجابة لهاجس أمنى ظرفي !!
إن التحدي أمام البحرين اليوم يتمثل في أن تثبت لنفسها ، قبل أن تثبت للعالم ، أن ديمقراطيتها حقيقية وليست مصنوعة من قطع دومينو تتداعى إن تحركت فيها قطعة. ديمقراطية مبنية على مبادئ وقناعات راسخةً لا تهزها العثرات ولا تغيرها مواقف.. وعلى السلطة أن تعض بالنواجذ على ما حققته من خطوات في طريق تمكين الشعب وإنضاج التجربة الديمقراطية التي – نعم- تأتي بكثير من المنغصات والانتقادات على المؤسسات الحاكمة في الدول الديمقراطية ، ولكنها في النهاية السبيل الأوحد لإدارة وتنمية الدولة في عالم اليوم.
نتمنى من السلطة في البلاد أن لا تحيد عن دربها بسبب مطب.. ولا تغير قناعاتها وتتخلى عن شعاراتها ولا ترّكن لدجل المنافقين وتحملق في وجوه الناس الطيبة وتسأل: هل الشعب سعيد فعلاً أم يتصنع البسمة ؟
نشبك أصابعنا ونأمل أن تكون هذه المحنة وآلامها مخاض ولادة لديمقراطية حقيقية .. لا سكرات موت ديمقراطية وليدة .. والله - وحدة- من وراء القصد